يتباهى جزء كبير من الشعب اللبناني بالديمقراطية، معتبراً إياها مكسباً حضارياً يميز المجتمع، إلا أن الواقع يُظهر تناقضاً عميقاً بين هذا الادّعاء وبين السلوك الفعلي للفرد داخل المجتمع، حيث يتحول الانتماء إلى مصدر للخوف بدلاً من أن يكون ركيزة للازدهار والتطور.
وكما قال جان جاك روسو: “الإنسان يولد حراً، لكنه في كل مكان مكبل بالسلاسل”. فالديمقراطية في جوهرها ليست مجرد شعار يُرفع، بل ممارسة فعلية تحمي حرية الفرد وتصون حقه في التعبير دون خوف من القمع أو الإقصاء. ومع ذلك، يجد اللبناني نفسه أسيراً لنظام اجتماعي وسياسي لا يترك له مساحة حقيقية لممارسة حقه في الانتماء بحرية، إذ يُفرض عليه الانتماء وفق معايير طائفية أو سياسية أو حزبية تحدد خياراته مسبقاً.
فالانتماء، كما وصفه كونفوشيوس، “ليس مجرد اعتراف بالمكان، بل تفاعل يخلق معنى ووجوداً.” ولكن حين يصبح الانتماء عبئاً يُثقل كاهل المواطن بدلًا من أن يمنحه مساحة للتعبير، تتحول الديمقراطية إلى مجرد مظلة زائفة، تُستخدم في الخطابات لكنها لا تجد طريقها إلى التطبيق الحقيقي.
إن الديمقراطية التي لا تحرر الإنسان من مخاوفه، بل تجعله رهينة لقيود اجتماعية وسياسية وحزبية، ليست ديمقراطية حقيقية، بل مجرد وهم يُزيّن واجهة نظام يخشى التغيير. وكما قال سقراط: “الحرية تبدأ عندما تنتهي القيود غير العادلة.”
فهل يمكن للديمقراطية أن تتجلى في مجتمع يخشى انتماءه؟ أم أنها ستظل مجرد مفهوم نظري لا يجد صداه في الواقع؟
فكر فيها..

