منذ تأسيس حزب الله عام 1982، ودخوله التدريجي إلى الحياة السياسية اللبنانية، بدا واضحاً أن المشروع لم يكن عسكرياً فقط، بل عقائدياً وسياسياً وبنيوياً أيضاً. فالسلاح لم يكن منفصلاً عن فكرة إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة، عبر ارتباط عقائدي غير لبناني، بل كان في كثير من الأحيان وسيلة لفرض وقائع دستورية وسياسية جديدة تحت عناوين متعددة: المقاومة، حماية الطائفة، الدفاع عن لبنان، أو منع الهيمنة الخارجية. لكن النتيجة التي يراها كثير من اللبنانيين اليوم كانت: دماراً، وموتاً، وتهجيراً، وتحطيماً لمستقبل أجيال، وانهياراً تدريجياً لفكرة الدولة نفسها.
على مدى أكثر من أربعين عاماً، تحولت معظم الاستحقاقات الدستورية في لبنان إلى ساحات تعطيل ومساومات، حيث لم يكن النقاش يتمحور حول بناء الدولة، بل حول كيفية امتلاك “الثلث”: الثلث المعطل، ثم الثلث الضامن، وكأن جوهر النظام أصبح قائماً على القدرة على التعطيل لا على القدرة على الحكم. بدأت المعادلة بشعار “الجيش والشعب والمقاومة”، وهو شعار حمل في ظاهره فكرة التكامل، لكنه في عمقه طرح سؤالاً فلسفياً: هل يمكن لدولة أن تحتكر السيادة إذا كان قرار الحرب والسلم موزعاً بين الدولة وتنظيم مسلح؟
ثم جاءت صيغة 8-8-8، وما تلاها من مطالبات بالثلث الضامن، لتكشف أن الأزمة لم تعد فقط أزمة تمثيل سياسي، بل أزمة طبيعة نظام. هنا يبرز السؤال الذي يخشاه كثيرون: هل كان المسار كله تمهيداً غير مباشر للانتقال من المناصفة التي كرسها اتفاق الطائف إلى نوع من “المثالثة” المقنعة؟
في الفلسفة السياسية، هناك مفهوم أساسي عند الفيلسوف كارل شميت يقول إن «السيادة هي القدرة على اتخاذ القرار في حالة الاستثناء». أي إن الجهة التي تستطيع فرض الاستثناء بالقوة، أو تعطيل النظام عندما تشاء، تصبح عملياً صاحبة السيادة الحقيقية حتى لو لم تكن الدولة الرسمية. ومن هذا المنطلق، يرى البعض أن امتلاك القدرة على التعطيل طوال عقود لم يكن مجرد أداة تفاوض، بل وسيلة لإعادة تأسيس ميزان النظام اللبناني نفسه.
وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أمثلة مشابهة. ففي البوسنة والهرسك، بعد الحرب، لم تستطع الأطراف المسلحة حسم مشروعها بالقوة، فانتقلت إلى فرضه عبر اتفاقات سياسية كرست تقاسماً معقداً للسلطة على أساس الجماعات. وفي العراق، بعد عام 2003، تحول ميزان القوة العسكري والطائفي إلى أعراف سياسية ومحاصصة دائمة، حتى أصبحت الدولة رهينة توازنات المكونات لا المؤسسات.
اقرأ أيضًا: بين الجغرافيا والسياسة: حقيقة عنجر – بقلم آرام ت.
اليوم، وبعد تدمير 68 قرية جنوبية، وسقوط آلاف الضحايا بين مقاتلين ومدنيين، وانكشاف حجم الخسائر العسكرية والبشرية، يطرح كثير من اللبنانيين سؤالاً مشروعاً: هل الصمت الحالي مقدمة لتسوية كبرى؟ وهل ما لم يفرض بالسلاح خلال سنوات، سيحاول دولة الرئيس نبيه بري تمريره عبر السياسة تحت عنوان «التسوية» أو «حماية الاستقرار»؟
الخوف الحقيقي لدى شريحة واسعة من اللبنانيين ليس فقط من تسليم السلاح أو بقائه، بل من أن يتحول الدمار الذي دفع اللبنانيون ثمنه إلى مدخل لتغيير هوية النظام اللبناني نفسه. لأن أي تعديل في صيغة الحكم لا يأتي نتيجة توافق وطني حر، بل نتيجة اختلال موازين القوى أو آثار الحرب، سينظر إليه كتكريس لنتائج القوة، لا كنتيجة لعقد اجتماعي جديد.
وهنا تكمن المعضلة الفلسفية الكبرى: هل التسوية السياسية التي تأتي بعد انهيار شامل تكون إنقاذاً للدولة، أم مجرد إعادة صياغة للهيمنة بأدوات أقل كلفة من الحرب؟
في الختام: إلى متى يا دولة؟!!!!
بقلم آرام ت.


