بعد طول انتظار وحالة من الاستنفار السياسي والإداري، صدر القرار بفتح مطار الرئيس رينيه معوض، وبدأت التحضيرات اللوجستية اللازمة لوضعه في الخدمة. لكن ما إن برز هذا التطور حتى ظهر واقع سياسي مألوف في لبنان، تمثل في تسابق بعض القوى السياسية في البقاع للمطالبة بفتح مطار رياق. وهي مطالبة مشروعة من حيث المبدأ، إلا أن توقيتها وخلفياتها يثيران تساؤلات حول ما إذا كانت تعكس رؤية تنموية متكاملة أم مجرد تسجيل مواقف شعبوية وانتخابية ضمن قواعد العمل السياسي التقليدي.
إن النقاش حول المطارات لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي والجغرافي للبنان. فبلد بمساحة محدودة، واقتصاد يعاني من أزمات بنيوية متراكمة، ونسب مرتفعة من الهجرة وتراجع الاستثمارات، يحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياته وفق منطق الجدوى الاقتصادية لا وفق منطق المنافسة المناطقية. فالسؤال ليس كم مطاراً يمكن افتتاحه، بل ما هي المشاريع الأكثر إلحاحاً وقدرة على تحريك الاقتصاد وتحسين حياة المواطنين.
من هذا المنطلق، هل يشكل فتح مطار رياق أولوية أعلى من معالجة أزمة طريق ضهر البيدر، الذي تحوّل عبر السنوات إلى “طريق الموت” رغم الوعود المتكررة من نواب البقاع والحكومات المتعاقبة؟ وهل المطالبة بمطار جديد أكثر إلحاحاً من تنفيذ مشروع نفق يربط البقاع بالساحل، ويختصر المسافة بين جديتا وأنطلياس من نحو 75 دقيقة إلى أقل من 20 دقيقة، بما يحقق نقلة نوعية في حركة الأفراد والبضائع ويعزز التكامل الاقتصادي بين المناطق؟
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المنشآت التي تعلن في الخطابات السياسية، بل بقدرة الدولة على تنفيذ مشاريع بنى تحتية استراتيجية مدروسة علمياً وهندسياً. لذلك، يبرز سؤال أساسي: أين الدراسات الاقتصادية والهندسية التي تحدد الأولويات الوطنية؟ وأين الرؤية الشاملة التي تربط الاستثمار العام بحاجات المجتمع والنمو الاقتصادي المستدام؟
سياسياً، تكشف هذه السجالات أزمة أعمق تتعلق بمفهوم الدولة نفسها. فحين تتحول المطالب الإنمائية إلى منافسة بين المناطق على الحصص والمكاسب الرمزية، يصبح الخطر قائماً بأن تنزلق اللامركزية الإدارية من كونها أداة لتحسين الإدارة والتنمية إلى وسيلة لتعزيز الانقسامات المناطقية والاجتماعية. فاللامركزية الناجحة تعني توزيعاً عادلاً للفرص والخدمات ضمن إطار الدولة الواحدة، لا إنتاج كانتونات اقتصادية أو سياسية تتنافس على الموارد والامتيازات.
إن المطلوب اليوم ليس سباقاً على افتتاح المطارات، بل نقاش وطني جدي حول أولويات الإنقاذ والتنمية. وعلى سبيل المثال طرق حديثة، شبكات نقل فعالة، بنية تحتية متطورة، ومشاريع استراتيجية تعزز الترابط الاقتصادي بين المناطق. فالدول تُبنى بالمشاريع التي تخدم المصلحة العامة وتخلق قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة، لا بالشعارات التي تستهلك في المواسم الانتخابية ثم تُنسى مع انتهاء الاستحقاقات.
في الختام، الى متى يا دولة !!!!
بقلم آرام ت.

