زحلة بوليتيكس – أعادت دراسة علمية حديثة فتح النقاش حول تأثير نمط الحياة الحديث في صحة الإنسان، بعدما كشفت أن مواليد التسعينات قد يُظهرون علامات **الشيخوخة البيولوجية** بوتيرة أسرع مقارنة بالأجيال السابقة عند العمر الزمني نفسه. وتشير النتائج إلى أن التغيرات في الغذاء والبيئة ونمط المعيشة قد تكون وراء هذا التسارع، ما يثير تساؤلات بشأن انعكاسات هذه الظاهرة على الصحة العامة مستقبلًا.
ما المقصود بالشيخوخة البيولوجية؟
نشرت الدراسة في مجلة “Nature Medicine“، وركزت على مفهوم **الشيخوخة البيولوجية**، وهو مقياس يعكس الحالة الفعلية لأعضاء الجسم ووظائفه، وليس عدد سنوات العمر. ويستند هذا المفهوم إلى مجموعة من المؤشرات الحيوية التي تكشف مدى تأثر الجسم بالتغيرات الفسيولوجية والاستقلابية مع مرور الوقت.
وقد اعتمد الباحثون على تحليل بيانات صحية واسعة النطاق لمقارنة العمر البيولوجي بين أجيال مختلفة، بهدف معرفة ما إذا كانت الأجيال الحديثة تتقدم في العمر بيولوجيًا بوتيرة مختلفة عن الأجيال السابقة.
نتائج الدراسة: فجوة أكبر في العمر البيولوجي
أظهرت النتائج أن الأجيال الأحدث، وعلى رأسها مواليد التسعينات، سجلت فجوة أكبر بين العمر الزمني والعمر البيولوجي. ويعني ذلك أن بعض المؤشرات الحيوية لديهم تبدو أكثر تقدمًا مقارنة بأشخاص من أجيال سابقة كانوا في العمر نفسه.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج لا ترتبط بعامل واحد، بل تعكس تأثيرًا تراكميًا لمجموعة من المتغيرات التي صاحبت التحولات في نمط الحياة خلال العقود الأخيرة.
ما الأسباب المحتملة لتسارع الشيخوخة البيولوجية؟
بحسب الدراسة، هناك عدة عوامل قد تسهم في تسارع الشيخوخة البيولوجية، من أبرزها:
- ارتفاع معدلات السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي.
- تراجع جودة الأنظمة الغذائية وزيادة الاعتماد على الأطعمة فائقة المعالجة.
- قلة النشاط البدني وطول ساعات الجلوس.
- اضطرابات النوم واختلال الساعة البيولوجية.
- التعرض المستمر لعوامل بيئية مختلفة، مثل التلوث.
- الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وأنماط الحياة الحديثة.
ويؤكد الباحثون أن تفاعل هذه العوامل معًا قد يفسر جانبًا من الفروق البيولوجية التي ظهرت بين الأجيال.
علاقة محتملة بارتفاع السرطان في الأعمار الصغيرة
لفتت الدراسة أيضًا إلى وجود ارتباط بين تسارع الشيخوخة البيولوجية وارتفاع معدلات الإصابة ببعض أنواع السرطان في سن مبكرة.
واستند الباحثون إلى دراسات سابقة أظهرت أن الأشخاص المولودين في التسعينات يواجهون خطرًا أعلى للإصابة المبكرة بسرطان القولون والمستقيم مقارنة بمن ولدوا في الستينات، كما رُصد ارتفاع في معدلات الإصابة ببعض السرطانات الأخرى لدى الأجيال الحديثة.
ومع ذلك، شدد الباحثون على أن هذه النتائج لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، وإنما تشير إلى اتجاهات صحية تستدعي المزيد من الدراسات لفهمها بصورة أدق.
هل تعني النتائج أن مواليد التسعينات سيشيخون مبكرًا؟
يوضح الباحثون أن نتائج الدراسة لا تعني أن جميع مواليد التسعينات سيعانون من الشيخوخة المبكرة أو سيصابون بالسرطان، بل تعكس متوسطات سكانية واتجاهات عامة، ولا يمكن تعميمها على الأفراد.
ويؤكد الخبراء أن تبني نمط حياة صحي، يشمل التغذية المتوازنة، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والحصول على نوم كافٍ، وتقليل التعرض لعوامل الخطر، يظل من أهم الوسائل للحفاظ على الصحة وتقليل تأثير الشيخوخة البيولوجية.
ماذا تعني هذه النتائج؟
تسلط الدراسة الضوء على الحاجة إلى فهم أعمق لتأثير التغيرات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة على صحة الأجيال الجديدة. كما تطرح تساؤلات مهمة حول ما إذا كان الغذاء الحديث، والتلوث، وقلة الحركة، والضغوط اليومية، بدأت تترك بصمة بيولوجية واضحة على الإنسان في عمر أصغر مما كان يُعتقد سابقًا.

