ما شهدناه وسمعناه من المواطنين اللبنانيين خلال عملية دخول الجيش اللبناني إلى بلدة حوش السيد علي الحدودية، التي تعرضت لاعتداءات متكررة من الجانب السوري، وما أعقب ذلك من تخوين واتهامات ظالمة بحق الجيش اللبناني، يعكس أزمة مركبة تتجاوز الأبعاد السياسية والعسكرية لتصل إلى أعماق الأزمة التربوية والثقافية. إنها أزمة تمس جوهر الهوية الوطنية وتحدي التماسك الاجتماعي، وتضع الحكومة أمام مسؤولية التفكير في مشروع وطني جامع يستند إلى التعليم كأداة أساسية لإعداد أجيال واعية تدرك قيمة الوطن كوحدة جامعة متجاوزة للانقسامات الطائفية والعقائدية.
برأيي، التعليم ليس مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل هو فلسفة متكاملة تشكل الوعي الفردي والجماعي، وتؤسس لعلاقة متناغمة بين الفرد والدولة. فالقطاع التربوي اللبناني بحاجة إلى ثورة شاملة تعيد بناءه على أسس تعكس روح الوحدة الوطنية والانتماء الحقيقي. الاعتماد على مناهج تربوية عفا عليها الزمن، تعزز العقائدية دون أن تسهم في بناء هوية وطنية شاملة، لا يمكن أن تستمر إذا كنا نطمح إلى مستقبل أفضل.
كما قالت الفلاسفة، إن التربية ليست مجرد عملية تعليمية، بل هي وسيلة لصياغة الإنسان ككائن واعٍ، منتمٍ، ومسؤول. إن بناء الهوية الوطنية يبدأ من إدراك الفرد لدوره في مجتمعه، وتعميق انتمائه للوطن، على أن يتجاوز الانتماء الظاهري ليصبح التزاماً أخلاقياً وفكرياً بالعمل من أجل تحقيق المصلحة العامة. لذلك، يجب أن يتحول التعليم من مجرد وسيلة لإنتاج الكفاءات إلى نظام يساهم في إنتاج مواطنين قادرين على التفكير النقدي، والتعاون، وتحمل المسؤولية الاجتماعية.
خطوات محورية للإصلاح التربوي تشمل إعادة صياغة المناهج التعليمية، وتعزيز قيم الانتماء الوطني، والاستثمار في البنية التحتية عبر تخصيص ميزانيات لتطوير البنى التحتية، خاصة في المناطق المحرومة مثل البقاع الشمالي وطرابلس وعكار، لتأمين العدالة التنموية وتحسين الخدمات التعليمية والاجتماعية في تلك المناطق لردم الفجوات الاقتصادية.
عندما يصبح التعليم أداة لزرع الفضائل وتحفيز التفكير النقدي، يصبح المواطنون أكثر قدرة على تجاوز الانقسامات والعمل من أجل بناء مستقبل مشترك. في هذا السياق، يصبح الجيش رمزاً ليس فقط للدفاع عن الحدود، بل للوحدة الوطنية والهوية المشتركة، وهو دور يجب أن يُقدّر ويُغرس في وعي الأجيال القادمة.
لبنان بحاجة إلى رؤية تربوية جديدة لا تصحح فقط أخطاء الماضي، بل تؤسس لمستقبل يتسم بالتماسك الاجتماعي، العدالة، والابتكار. إنه مشروع يرتقي بالفرد والمجتمع إلى مستوى أعلى من الفهم والإدراك، ليكون التعليم منارة لإعادة بناء الوطن على أسس من الثقة المتبادلة والاحترام المتبادل.
آرام ت.

