عاد الحديث عن غرينلاند إلى الواجهة عام 2019 عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبته في شرائها، واصفاً إياها بأنها «قطعة الجليد الكبيرة والجميلة».
ورغم الطابع الاستعراضي للتصريح، إلا أن جذور الاهتمام الأميركي بالجزيرة تعود إلى أكثر من 150 عاماً، إذ حاولت واشنطن شراءها أعوام 1867 و1910 و1946، ما يكشف عن رؤية استراتيجية ثابتة لا عن نزوة سياسية عابرة.
غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، ليست مجرد مساحة جغرافية متجمدة، بل موقع استراتيجي يقع بين أميركا الشمالية وأوروبا، ويشرف على شمال الأطلسي وبوابة القطب الشمالي. ومع تسارع ذوبان الجليد، تتحول المنطقة إلى ممر ملاحي جديد قد يغيّر قواعد التجارة العالمية.
فالممرات البحرية التي قد تُفتح عبر القطب الشمالي ستسمح بنقل البضائع بين آسيا وأوروبا خلال نحو 18 يوماً فقط بدلًا من قرابة 50 يوماً عبر الطرق التقليدية، أي ما يعادل ثلث الزمن الحالي تقريباً. وهذا التحول لا يعني اختصار الوقت فحسب، بل تقليص الكلفة ورفع وتيرة دوران التجارة العالمية، ما يمنح من يسيطر على هذه الطرق نفوذاً اقتصادياً واسعاً.
عسكرياً، تمتلك الولايات المتحدة قاعدة جوية في منطقة «ثول» شمال غرينلاند، وهي جزء من منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي. وتُعد الجزيرة خط دفاع متقدم في مواجهة روسيا، التي توسّع حضورها العسكري في القطب الشمالي، فيما تسعى الصين إلى تعزيز وجودها الاقتصادي والاستثماري في المنطقة، ما يحوّل غرينلاند إلى نقطة تماس بين مشاريع النفوذ الكبرى.
أما اقتصادياً، فتشير التقديرات إلى أن الجزيرة تختزن ثروات طبيعية كبيرة من معادن نادرة ونفط وغاز، وهي موارد تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية. ومع احتدام الصراع على سلاسل الإمداد العالمية، تصبح السيطرة على هذه الموارد جزءاً من معركة السيطرة على المستقبل الصناعي والتقني.
اقرأ أيضًا: نواف سلام.. إطلالة ما قبل التحوّل – بقلم آرام ت.
من هذا المنظور، لا يمكن فصل الاهتمام الأميركي بغرينلاند عن فلسفة الهيمنة التي تقوم على الجمع بين التحكم الجغرافي والتفوق العسكري والسيطرة على طرق التجارة. فامتلاك الممرات البحرية لا يقل أهمية عن امتلاك القواعد العسكرية، وكلاهما يتحول إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي في آن واحد.
وهكذا، تتحول غرينلاند من جزيرة جليدية معزولة إلى قطعة شطرنج في لعبة دولية معقدة، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة، ويتقاطع الأمن بالتجارة، وتُدار المنافسة بمنطق النفوذ لا بمنطق السيادة.
فالسؤال لم يعد: لماذا تريد أميركا شراء غرينلاند؟ بل من يملك مفاتيح القطب الشمالي في النظام العالمي المقبل؟
فكر فيها !!!!
بقلم آرام ت.
عنجر ٢٥-١-٢٠٢٦


