لقد طال انتظارنا لمبادرة جدية من الجهات المعنية تتوخى معالجة الالتباسات القائمة، ورفع الغموض الذي يكتنف بعض التصريحات، وتقديم رواية واضحة للرأي العام، انطلاقاً من مبدأ الشفافية بوصفه أحد الأعمدة الأساسية للنظام الديمقراطي، وأداةً لضمان المساءلة وتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها.
كنا نأمل أن يُطرح هذا النقاش ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية السليمة، وفي المحافل الدولية المختصة، بعيدًا عن الانفعالات الدبلوماسية أو التأويلات الإعلامية المتسرعة التي قد تُفضي إلى مزيد من التوتر وسوء الفهم. غير أن استمرار الغياب المقلق لأي مبادرة رسمية تتسم بالجدية والمسؤولية، يفرض علينا مقاربة هذا الملف بعقلانية متزنة، تستند إلى الموضوعية، وتسترشد بالمصلحة الوطنية العليا، وتُعلي من شأن السيادة بوصفها قيمة دستورية غير قابلة للتصرف.
وفي هذا السياق، نُشير إلى ما ورد في تصريحات السيد براك بتاريخ ٧ كانون الأول، حيث دعا إلى “جمع سوريا ولبنان معاً “، انطلاقاً من اعتبار البلدين “يمثّلان حضارةً عريقة”. كما سبق له، في تشرين الثاني، أن وصف لبنان بأنه “دولة فاشلة”، عازياً ذلك إلى ما اعتبره اختلالات في البنية المالية والمصرفية والمؤسساتية، وتراجعاً في قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية في مجالات الكهرباء والمياه والتعليم.
وإذ نُذكّر بأنّ لبنان دولة مؤسسة في منظمة الأمم المتحدة منذ عام ١٩٤٥، فإنّ ميثاق هذه المنظمة يرتكز، في جوهره، على مبدأ احترام سيادة الدول الأعضاء، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وانطلاقاً من هذا المبدأ القانوني والسياسي الراسخ، نطالب الحكومة اللبنانية، ممثلة بوزارة الخارجية، ومن خلال بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة، بمخاطبة الأمانة العامة ومجلس الأمن، عند الاقتضاء، لطلب توضيح رسمي وصريح حول المقصود بعبارة “جمع سوريا ولبنان”؛ هل يُراد بها تكامل جغرافي؟ أم اندماج سياسي؟ أم تمثيل مشترك؟ أم أنها مجرد توصيف ثقافي-حضاري لا يتعدى الإطار الرمزي؟
اقرأ أيضًا: الدفع الإلكتروني في لبنان بين التشريع والتطبيق – بقلم آرام ت.
كما نطالب بالحصول على اعتذار رسمي عن توصيف لبنان بـ”الدولة الفاشلة”، لما ينطوي عليه هذا الوصف من إساءة مباشرة إلى صورة لبنان واللبنانيين في المحافل الدولية، ومن انتقاص لكرامة مؤسساته الدستورية. وإذا كان ثمة اعتراف ضمني أو صريح بوجود خلل بنيوي في أداء الدولة، فإن مقتضيات الدستور ومبادئ الحوكمة الرشيدة تفرض فتح ملفات الإدارة العامة منذ اتفاق الطائف، وإخضاعها لمراجعة شفافة، تُمكّن الرأي العام من الاطلاع على مكامن الخلل، وتشخيص أسباب التعثر، وتحديد المسؤوليات ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية.
في الختام: إنّ صون كرامة الدولة لا يتحقق بردود الأفعال الانفعالية، بل بالحكمة السياسية؛ ولا بالخطابات المتشنجة، بل بالاحتكام إلى القانون؛ ولا بالشعارات الرنانة، بل بتفعيل المؤسسات. فالدولة القوية ليست تلك التي ترفع الصوت، بل التي تُحسن الإصغاء لمواطنيها، وتُحسن الدفاع عن سيادتها بالعقل، وتستعيد ثقة شعبها بالشفافية والمساءلة.
في انتظار ما ننتظره، ونحن من الشاكرين،،،


