أوضح الخبير الإقتصادي وليد بو سليمان: حين ينكمش اقتصاد لبنان بما لا يقل عن ٧٪، وحين تُقدّر الخسائر بأكثر من ٢٠ مليار دولار، لا يعود الأمر مجرد رقم في تقرير أو تصريح سياسي. نحن أمام صدمة تضرب اقتصاداً كان أصلاً يمشي على حافة ضيقة منذ سنوات.
لبنان لم يدخل هذه الأزمة من موقع قوة. منذ ٢٠١٩، خسر الاقتصاد الحقيقي ما يقارب ٤٠٪ من حجمه. الودائع مجمّدة، القطاع المصرفي شبه معطّل، الاستثمار ضعيف، الدولة محدودة القدرة، والناس يعيشون على توازن دقيق بين المداخيل، التحويلات، والدولار النقدي. لذلك، أي خسارة جديدة بهذا الحجم لا تأتي فوق اقتصاد متين، بل فوق اقتصاد مُنهك.
وأكد بو سليمان: الأخطر أن خسائر تفوق ٢٠ مليار دولار ليست رقماً عادياً بالنسبة للبنان. فهي توازي جزءاً كبيراً من حجم الاقتصاد السنوي الحالي، وتكفي وحدها لتغيير مسار النمو، الاستهلاك، الاستثمار، والمالية العامة لسنوات. وإذا كان لبنان قد بدأ يلتقط بعض الأنفاس عبر السياحة، التحويلات، الاستهلاك الداخلي، واستقرار نسبي في سعر الصرف، فإن صدمة بهذا الحجم قد تعيد الاقتصاد من منطق التعافي الهش إلى منطق إدارة الخسائر.
على المواطن، الترجمة ستكون مباشرة. دخل أضعف، فرص عمل أقل، أسعار أكثر ضغطاً، وكلفة معيشة أعلى. العائلة التي كانت بالكاد توازن بين المدرسة، الطبابة، الإيجار، المولد، والنقل، ستجد نفسها أمام هامش أضيق. والطبقة الوسطى، التي استنزفها الانهيار منذ سنوات، قد تتعرض لموجة إضافية من التآكل.
وتابع بو سليمان: على الشركات، الصورة ليست أفضل. المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهي العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، ستواجه تراجعاً في الطلب، كلفة تشغيل أعلى، صعوبة أكبر في التمويل، وتردداً في التوظيف والاستثمار. كثير من الشركات لن تفكر بالتوسع، بل بالبقاء. وهذا وحده كافٍ ليضغط على سوق العمل، الأجور، والإنتاجية.
أما القطاعات، فكل واحد منها سيدفع الثمن بطريقته.
السياحة ستتأثر أولاً، لأن هذا القطاع يعيش على الثقة قبل أي شيء آخر. أي تراجع في الوافدين أو الحجوزات يعني خسارة مباشرة للفنادق، المطاعم، النقل، التجزئة، والخدمات. التجارة ستتراجع مع ضعف الاستهلاك. الصناعة ستواجه كلفة أعلى في الطاقة والنقل والتأمين والمواد الأولية. الزراعة ستتأثر بسلاسل الإمداد، التصدير، وكلفة الإنتاج. العقار والبناء سيصبحان أكثر حذراً، لأن المستثمر لا يضع أمواله حيث لا يرى أفقاً واضحاً.
على الدولة، الخطر أعمق. الانكماش يعني إيرادات أقل، فيما الحاجات تصبح أكبر: مساعدات، نزوح، بنى تحتية، أمن، صحة، وتعليم. أي أن الدولة مطالبة بأن تنفق أكثر في وقت قدرتها على الجباية والتمويل أضعف. وهذا يضع المالية العامة أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على الاستقرار من دون أن تخنق الاقتصاد أو تزيد العبء على المواطنين؟
المشكلة ليست في سنة واحدة فقط. إذا استمر الانكماش، قد ندخل في حلقة خطيرة: تراجع ثقة، انخفاض استثمار، هجرة كفاءات، ضعف إنتاج، ثم نمو أبطأ في السنوات اللاحقة. أما إذا تم احتواء الصدمة سريعاً، فقد يبقى التعافي ممكناً، لكن بوتيرة أضعف وبكلفة اجتماعية أعلى.
لذلك، المطلوب اليوم ليس خطاب طمأنة فقط. المطلوب خطة واضحة تحمي الأسر الأكثر هشاشة، تمنع إقفال المؤسسات، تحافظ على القطاعات المنتجة، وتعيد فتح باب التمويل والاستثمار. والمطلوب أيضاً إصلاحات جدية في الدولة والقطاع المالي، لأن أي تعافٍ من دون ثقة سيبقى تعافياً سطحياً.
لبنان لا يخسر أرقاماً فقط. يخسر وقتاً، فرصاً، مؤسسات، وظائف، وكفاءات. والخسارة التي تتجاوز ٢٠ مليار دولار لا تُقاس فقط بحجمها المالي، بل بما تتركه في حياة الناس اليومية: بيت يؤجل تعليماً، شاب يؤجل مشروعاً، مؤسسة تؤجل توظيفاً، وعائلة تخاف أكثر من الغد.
السؤال لم يعد: كم خسر لبنان؟
السؤال الحقيقي هو: هل نملك الجرأة لنمنع هذه الخسارة من أن تتحول إلى قدر دائم؟

