يطالب عدد كبير من الجاليات اللبنانية في الخارج بإلغاء المادة ١١٢ من قانون الانتخاب النافذ، لما تشكّله من انتهاك صريح للدستور اللبناني ولمبدأ المساواة بين المواطنين. إذ تحصر هذه المادة حق اللبنانيين غير المقيمين بالاقتراع ضمن “الدائرة 16″، أي عبر ستة مقاعد مخصصة في مجلس النواب، وتُجمّد بالتالي حقهم الدستوري في الاقتراع في دوائر قيدهم الأساسية في لبنان.
في جوهرها، المشاركة السياسية ليست امتيازاً يمنح وفق الموقع الجغرافي أو الإقامة الفعلية، بل هي تجسيد لسيادة المواطن كفرد حر في مجتمع ديمقراطي. إن محاولة تقييد حق الانتخاب للبنانيين غير المقيمين عبر تخصيص دائرة انتخابية منفصلة، إنما تعكس تصوراً وظيفياً ومحدوداً للمواطنة، يتناقض مع روح الدستور ومنطلقات الدولة الحديثة. والمجتمعات الديموقراطية العادلة تقوم على مبدأ أن الحقوق السياسية ليست مشروطة بالموقع، بل بالانتماء. فالمواطن لا يفقد صوته لمجرد عبوره حدود الوطن، بل يظل حاملًا لشرعية المساهمة في تقرير مصير بلاده.
في الدستور، مخالفة دستورية وتشريعية واضحة – تنص المادة الثالثة من قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب بوضوح على أنّه يحق لكل لبناني أو لبنانية أتمّ السن القانونية، سواء أكان مقيماً أم غير مقيم، ممارسة حقه في الاقتراع شرط تمتعه بالحقوق المدنية والسياسية. كما أن الفقرة (ب) من المادة الثانية من القانون نفسه تنصّ على أن جميع الناخبين، بمختلف طوائفهم، يقترعون في الدوائر الانتخابية المخصصة للمرشحين.
في إخلال بمبدأ المساواة، إن استحداث ست دوائر انتخابية مخصصة للبنانيين في الاغتراب يُعدّ تمييزاً غير مبرّر بين المواطنين، ويشكّل خرقاً لمبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور، كما أنه يتطلب تعديلًا دستورياً وليس مجرد مادة إجرائية ضمن قانون الانتخاب. إذ لا يجوز سنّ مواد قانونية تتعارض مع روح الدستور أو وثيقة الوفاق الوطني التي تشكّل جزءاً لا يتجزأ من مقدمة الدستور.
في تجاوز لإرادة الأكثرية النيابية – كما أن رفض طرح اقتراح القانون المعجل المكرر المقدّم من عدد من الكتل النيابية والنواب المستقلين بتاريخ 9 أيار 2025، والرامي إلى تعديل المادة ١١٢، يتناقض مع مبدأ احترام إرادة الأكثرية النيابية وحرية الرأي داخل المجلس .
وهنا تتعقّد المفارقة أكثر، حين يُصبح عرّاب التشريع هو ذاته المعرقل لتطوره. ففي منطق الدولة الحديثة، يُفترض أن يكون المجلس التشريعي، ورئيسه تحديداً، حارساً للشرعية الدستورية وضامناً لمبادئ العدالة والمساواة. ولكن عندما تتحوّل هذه المرجعية إلى أداة لتجميد الحقوق بدلًا من إطلاقها، تنتفي فلسفة التمثيل الشعبي، ويصبح القانون وسيلة ضبط لا وسيلة تمكين.
اما الأخطر، حين تُمارس السلطة التشريعية دوراً مزدوجاً بين وضع القوانين وتعطيلها بما يتناقض مع روح الدستور، فإن هذا يفتح الباب أمام تشكيك المواطنين بشرعية المؤسسات نفسها. وهنا يتحوّل الانقسام بين “الداخل” و”الانتشار” إلى انقسام أعمق: بين المواطن ومرجعيته التشريعية. كما عبّر عنها جان جاك روسو، لا سلطة مستقلة عنها. وحين تنقلب أدوار المؤسسات، ويُحاصَر الحق السياسي بذرائع تنظيمية أو بحجج إجرائية، فإن ذلك يُهدد جوهر العقد الاجتماعي الذي يستند إليه النظام الديموقراطي.
وعليه، فإننا نطالب بإلغاء المادة ١١٢ من قانون الانتخاب الحالي بشكل كامل ونهائي، بما يضمن تكريس حق الاقتراع لكافة اللبنانيين على قدم المساواة، وفي الدوائر التي ينتمون إليها قانوناً ودستورياً.
ونحن من الشاكرين،،،
آرام
١-٧-٢٠٢٥


