ترددت كثيراً قبل أن أخطّ هذه الكلمات، لا لشكّ في حقيقتها، بل خشية أن تُساء قراءتها خارج نواياها، لكن كما قال نيتشه: “الصمت لا يُنقذ الحقيقة، بل يدفنها حيّة.”
لقد تأخرت معركة مكافحة الفساد في لبنان، حتى بدت وكأنها مؤجلة عن عمد، أو مرهونة بظروف لا تمت للعدالة بصلة. فما جدوى الحرب على الفساد إذا اقتصرت على ملفات محددة؟ وما قيمة المساءلة إن لم تشمل الجميع بلا استثناء؟ إن جوهر الإصلاح لا يُقاس ببدايته، بل باتساعه وجرأته في اقتلاع الجذور، لا قصّ الأطراف.
ما جرى في ملف وزارة الصناعة خطوة تحتسب ضمن سياق المحاسبة، ورفع الحصانة إشارة إلى أن أسوار الامتياز بدأت تتصدّع. غير أن هذه الخطوة تفتقد ميزان الإنصاف حين تُمارَس بانتقائية: يُستدعى نائب أرمني، بينما يُستثنى نائب شيعي من المثول أمام القضاء. هل هذه هي العدالة التي نحلم بها؟ أم هي إعادة إنتاج للطائفية بقالب قانوني؟
*** إقرأ أيضًا: طرابلس بين السيادة والضم – بقلم آرام ت.
العدالة الانتقائية ليست عدالة. إنها عدالة مغشوشة، تُمنح بالهوية وتُسحب بالهوية. بناء المجتمع العادل يبدأ من مبدأ الجهل بالموقع الاجتماعي، وأن على القوانين أن تُطبّق كما لو أن واضعها لا يعرف ما إذا كان غنياً أم فقيراً، قوياً أم ضعيفاً.
إن فكرة الحصانة في لبنان لم تعد تُستخدم لحماية العمل العام، بل باتت تُستغل كدرع ضد المساءلة. إنها تخلق مجتمعاً من طبقات قانونية، حيث يُحاسب البعض، بينما يظل الآخر فوق القانون، فقط لأنه من طائفة مُعيّنة أو ضمن منظومة نفوذ محددة.
العدالة لا تعني استدعاء نائب لأنه الأقل حماية، بل تعني مساءلة كل نائب لأنه مسؤول. فولتير كان صريحاً حين قال: “من لا يُحاسب، لا يُصلح”.
إذا أردنا الخروج من نفق الطائفية القانونية، فعلينا أولًا أن نلغي منطق الحصانات، وأن نعيد للقانون هيبته، لا كأداة تُستخدم حسب الحاجة، بل كمرجعية مقدّسة تسري على الجميع، بلا تمييز أو تفضيل.
إن استمرار هذه المنظومة من الحصانات الجزئية ليس فقط تهديداً لفكرة العدالة، بل تقويضاً لمفهوم الدولة. فحين يُصبح القانون أداة انتقائية، يتحول الوطن إلى ساحة تسويات لا إلى جمهورية مواطنين.
ونحن من الشاكرين،،،
٢٥-٧-٢٠٢٥

