قد يستهين أغلب قرّاء الأزمة المصرفية في صبّ غضبهم على شخص حاكم سابق لمصرف لبنان، ويغفلون عن صلب المشكلة، ألا وهي القوانين والمواد الدستورية التي تضبط آليات ومسوّغات عمل المؤسسة المصرفية. تبدأ هذه القوانين بمن حدد صلاحيات تعيين الحاكم، مروراً بالآليات والسياسات الخاصة بالنقد والتسليف، وصولًا إلى وضع الاستراتيجية المالية للدولة، والتي، بحسب الدستور، تقع على عاتق وزارة المالية والحكومة، وتخضع لرقابة السلطة التشريعية، أي مجلس النواب، وذلك استناداً إلى المواد الدستورية 65 و66 و81 حتى 87.

ومن منطلق الشفافية أيضاً، يقدّم حاكم المصرف إلى وزير المالية في كل سنة الميزانية وتقريراً عن عمليات المصرف المركزي، ويتم نشره أيضاً في الجريدة الرسمية، وذلك وفقاً للمادة 117 من القانون نفسه.

ما هي أهم القوانين المنظمة للمصرف المركزي؟

“المصرف المركزي” هو شخص معنوي بموجب القانون العام، ويتمتع بالاستقلال المالي. ويُجري عملياته ويُنظّم حساباته وفقاً للقواعد التجارية والمصرفية، وللأعراف التجارية والمصرفية. يُعيَّن الحاكم لولاية مدتها ست سنوات، بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المالية. ويؤدي الحاكم ونوابه اليمين القانونية أمام رئيس الجمهورية، متعهدين بأداء وظائفهم بإخلاص ودقة، مع احترام القانون والشرف. ويتمتع الحاكم بأوسع الصلاحيات في إدارة المصرف المركزي وتسيير أعماله، وهو مكلّف بتطبيق قانون النقد والتسليف، وتنفيذ قرارات المجلس المركزي.

يتألف المجلس المركزي، وفقًا للمادة 28 من قانون النقد والتسليف، من: حاكم المصرف المركزي رئيساً، نائبي الحاكم، مدير عام وزارة المالية، ومدير عام وزارة الاقتصاد. ولا يحق للعضوين الأخيرين (مديري وزارتي المالية والاقتصاد) أن يتصرفا في المجلس كمندوبين عن الحكومة، بل يقتصر دورهما على ممارسة المهام المرتبطة بعضويتهما في المجلس المركزي. ويؤدي هذان العضوان القسم القانوني أمام رئيس الجمهورية. كما يتمتع هذان العضوان بصلاحيات واسعة، وفقًا لما ورد في المادة 33 من قانون النقد والتسليف.

أما في ما يتعلّق بالمسؤولية المزدوجة، فإن المادة 30 من قانون النقد والتسليف تُبرز جانبًا بالغ الأهمية، إذ تنص على أنه لا يمكن للمجلس المركزي أن ينعقد في غياب الحاكم أو من ينوب عنه، كما لا يمكن انعقاده في غياب مدير المالية العام أو مدير الاقتصاد العام. وتُتخذ قرارات المجلس بأكثرية أصوات الأعضاء.

أما المهمة العامة للمصرف المركزي، بحسب المادتين 70 و71 من قانون النقد والتسليف، فهي المحافظة على النقد بما يؤمّن أساسًا لنمو اقتصادي واجتماعي دائم. وتتضمّن هذه المهمة بشكل خاص الى – المحافظة على سلامة النقد اللبناني، – المحافظة على الاستقرار الاقتصادي، – المحافظة على سلامة أوضاع النظام المصرفي، – تطوير السوق النقدية والمالية. ويقوم المصرف المركزي أيضًا بالتعاون مع الحكومة، ويقدّم لها المشورة في ما يتعلّق بالسياسات المالية والاقتصادية، بهدف تأمين الانسجام الأفضل بين مهمته وأهداف الحكومة. ومن صلاحيات المصرف أن يستخدم الوسائل التي يراها مناسبة لضمان استقرار القطاع، ومن ضمن ذلك تدخله في السوق، بالاتفاق مع وزير المالية، بائعاً أو مشترياً للعملات الأجنبية، وذلك وفقًا لما تنص عليه المادة 75، مع مراعاة أحكام المادة 69. ويُشار إلى أن تعاميم المصرف المركزي تُعتبر بمثابة قوانين، ولا يجوز الطعن بها.

وبناءً عليه، وإشارةً إلى أن قانون النقد والتسليف قد حدّد تنظيم المصرف المركزي، وآلية تعيين الحاكم ونوابه، وصلاحيات المجلس المركزي، وذلك في المواد من 18 إلى 34 ، كما حدّد آلية مراقبة المصرف في المواد من 41 إلى 46 ، ومهمة المصرف العامة في المواد من 70 إلى 79 ، إضافة إلى المادتين 174 و 175 ، فهل إن اتهام الحاكم وحده دون سواه، رغم هذا الإطار القانوني الواضح والمتشعّب للمسؤولية، يعود لأسباب أخرى؟

من يراقب المصارف واعمالها التشغيلية؟

وبحسب قانون النقد والتسليف، يُعدّ المصرف المركزي هيئة ناظمة للقطاع المصرفي، ويمارس صلاحياته مباشرة عبر الحاكم والمجلس المركزي، وكذلك من خلال لجنة الرقابة على المصارف، وصولًا إلى الهيئة المصرفية العليا. وإذا كانت آليات مراقبة حسن أداء القطاع المالي تشكّل جزءًا أساسيًا من مفهوم الحوكمة الرشيدة، فإن تساؤلات تُثار اليوم حول الدور الغائب أو المتراجع للجنة الرقابة على المصارف، المنشأة بموجب قانون النقد والتسليف.

ما هي صلاحيات لجنة الرقابة على المصارف؟

في عام 1967، تم إنشاء هيئة مستقلة تُدعى لجنة الرقابة على المصارف، ومنحت صلاحيات رقابية بموجب القانون رقم 67/28. تمارس اللجنة مهامها استنادًا إلى المواد 149 و150 من قانون النقد والتسليف، وتتخذ قراراتها بالأكثرية. وقد أُنشئت اللجنة كسلطة مستقلة، في حين أن الرقابة المصرفية في بعض دول الجوار تُعدّ مجرد دائرة داخل البنك المركزي، بينما تتولاها هيئات وسلطات مستقلة تمامًا في عدد من الدول الغربية. وفي لبنان، تتمتّع اللجنة بصلاحية تحديد أوجه الرقابة وأساليبها على المصارف، دون تدخل مباشر من السلطة النقدية (أي مصرف لبنان). وتتمثّل علاقتها مع حاكم المصرف المركزي في تزويده بالدراسات والتقارير الرقابية اللازمة. تشمل مهام اللجنة الرقابة الميدانية والمستندية، التي تتناول سلامة الملاءة والسيولة المالية وربحية المصارف، إضافة إلى التحقق من البنية الإدارية السليمة، أو ما يُعرف بالإدارة الرشيدة والحوكمة، فضلاً عن تقييم المخاطر التي قد تهدد أي مصرف. كما تُعنى اللجنة بالتأكّد من السلامة التشغيلية للمصارف، وضمان قدرتها على الحفاظ على أموال المودعين.

لابد أن أقول إنني أرى تضارب مصالح

ويُفترض بلجنة الرقابة على المصارف أن تتمتّع بالاستقلالية والشفافية في مراقبة عمل المصارف، لا سيّما أن معظم التعميمات الصادرة عن مصرف لبنان تمر عبر هذه اللجنة، بل وتشارك أحيانًا في إقرارها. غير أن آلية تعيين أعضائها، وعددهم خمسة، تتم عبر مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، بحيث يقترح المجلس اثنين منهم، بينما يُسمي كلٌّ من جمعية المصارف، ومؤسسة ضمان الودائع، ومصرف لبنان عضوًا واحدًا عن كل جهة. وهنا تكمُن الإشكالية: فمجلس إدارة مؤسسة ضمان الودائع يتألف من سبعة أعضاء، يُنتخب أربعة منهم من قبل المصارف المساهمة، ما يمنح القطاع المصرفي تأثيرًا وازنًا داخل اللجنة الرقابية نفسها.

وانطلاقًا من امتلاك جمعية المصارف نفوذًا كبيرًا في الهيئات المالية، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت هذه التركيبة تتيح للمصارف هامشًا للتفلّت من الرقابة المفترضة لمصرف لبنان. ويمثّل ذلك نموذجًا صارخًا لما يمكن اعتباره تضاربًا في المصالح، كرّسه القانون من خلال آليات تعيين تُضعف الاستقلالية المفترضة للجنة الرقابة. لذلك، أرى أن التدخّلات السياسية المتكررة في التعيينات المالية تضرب مبدأ الشفافية والاستقلالية في جوهره. وأتمنى ألّا يُقلب مفهوم الرقابة رأسًا على عقب، بحيث تتحوّل من أداة لضبط المصارف إلى أداة بيد المصارف لممارسة رقابة ذاتية شكلية، تحت غطاء القانون وبتواطؤ مع السلطة السياسية التي شرّعت هذه القوانين وأقرّت لوائحها التنفيذية.

ما هي مؤسسة ضمان الودائع؟

أُسست المؤسسة الوطنية لضمان الودائع المصرفية سنة 1967، وصُدق نظامها الأساسي بمرسوم رقم 11564، ووفقًا للقانون رقم 28/67، كما تخضع لأحكام قانون التجارة. أما من وجهة نظري الشخصية، فيجب إلغاء هذه المؤسسة، وانتقال مسؤولياتها ومهامها إلى المصرف المركزي، مع إنشاء إدارة خاصة داخل المصرف المركزي تتولى هذه المهمة الحساسة بشكل مباشر.

ما هي فرص الحل في القطاع المصرفي؟

بدايةً، يجب استعادة الثقة بالقطاع المصرفي كأساس لأي خطوة إصلاحية مالية حقيقية، وهذا لا يمكن أن يتحقق في ظل حالة انعدام الثقة بالطبقة السياسية، إذ إن الأخيرة تمثّل المحرك الأساسي لأي توجه إصلاحي من أي نوع. ومن المعروف بطريقة بديهية أن السياسة هي أم الاقتصاد، وأود أن أضيف أن الثقة هي وقود الحركة.

سيناريو الحل

قد يرى البعض أن إعادة الهيكلة بدون خطة حكومية واضحة، مع تجاهل الحد الأدنى من المعايير الدولية لإدارة المخاطر المصرفية، يشكل تعديًا حادًا على حقوق المودعين، حيث يحرمهم من سحب ودائعهم بالعملة الأساسية للحساب أو بسعر صرف عادل. كما يمثل هذا الخيار إنهاكًا لموازنة مصرف لبنان، وتدميراً للقدرة الشرائية، وإضعافاً لتصنيف الدولة أمام المحافل الدولية.

في المقابل، يرى آخرون أن تطبيق المعايير الكاملة لكفاية رأس المال، والمعايير الدولية المتعلقة بتكوين المخصصات ضد المخاطر الفعلية والمتوقعة، دون أي تعديل، يُلزم المصارف بتكوين رساميل تعادل ما لا يقل عن مرة ونصف من رساميلها الحالية، وهو خيار بديل لإعادة الهيكلة.

أما السيناريو الأكثر ترجيحًا من وجهة نظرنا فيتمثّل في إعادة تحديد دور المصارف في الاقتصاد وتحديد حجمها بما يتناسب مع هذا الدور، وذلك بطريقة متزامنة ومترابطة مع إعادة هيكلة ديون الدولة ومعالجة ميزانية المصرف المركزي. وينتج عن ذلك إعادة تكوين رساميل المصارف وفقًا لحجمها الجديد، وتقليص فجوة ميزانية المصرف المركزي، وتحقيق سياسة إصلاحية مستدامة لإدارة الدين العام.

وفي إطار هذا الحل، يُفترض العمل على إعادة النظر في قانون النقد والتسليف، ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الفصل التام بين مهمة إدارة السياسة النقدية التي تبقى من اختصاص المصرف المركزي من ناحية، ومهام الرقابة والتحقيق التي تتولاها إدارة مستقلة ضمن مظلة المصرف نفسه.

كما يُقترح تقليل عدد المصارف المحلية من خلال حلول عملية كعمليات الدمج وسحب التراخيص، بهدف خفض حجم القطاع المصرفي، إضافة إلى وضع سقوف وشروط وضوابط جديدة على تمويل المصرف المركزي لعجز الخزينة، بالإضافة إلى وضع ضوابط رقابية حديثة تتلاءم مع التغييرات التقنية والمالية والرقمية في العالم.

باختصار، تقع المسؤولية في ما وصل إليه القطاع المصرفي اللبناني بالدرجة الأولى على عاتق حاكمية مصرف لبنان والهيئات والأجهزة التابعة له من ناحية الرقابة، وكذلك على الطبقة السياسية التي خلقت جو الأزمة الحالية وحمته، واستفادت من الوضع. كما يتحمل المسؤولية بعض المصرفيين الذين لم يقوموا بواجبهم الوطني في اتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة لحماية مصارفهم وحقوق عملائهم، بناءً على الظن الخاطئ بأن المصرف المركزي أو حاكمه هو الضامن المطلق لهم. ويُعتبر هذا سوء تقدير من جهات يفترض أن تكون أكثر خبرة ومعرفة وضلوعًا في إدارة القطاع المصرفي، الذي يشكّل واحدًا من أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.

والعامل المشترك الوحيد الضروري لإنجاح أي من هذه السيناريوهات كان ولا يزال أولاً تجديد الثقة في القطاع المصرفي. لذلك، يجب إقرار مشروع قانون ضمن خطة إصلاحية ينص صراحةً على الضمان الحكومي للودائع، بحيث يكون النص واضحًا ومحددًا: “تلتزم الدولة بضمان كافة الودائع لدى البنوك المحلية، ويسري الضمان على أصل الودائع بكل أنواعها، بما في ذلك حسابات التوفير، وأرصدة الحسابات الجارية، وبجميع العملات الوطنية والأجنبية، لجميع عملاء المصارف.” ويجب أن يصاحب ذلك تعديل القانون رقم 91/110 وآلية تحديد سعر الصرف الحقيقي في السوق، إلى جانب السعر الاسمي الذي يحدده المصرف المركزي. كما ينبغي أن يترافق هذا الإجراء مع تطبيق إصلاحات سياسية ومؤسسية وضريبية، إضافة إلى تعديلات في قانون النقد والتسليف.

في الختام، لا تخافوا ولا تحجبوا تعاملاتكم مع المصارف، فهي الأساس المتين لأي اقتصاد ناجح ومزدهر.

ونحن من الشاكرين،

آرام

مشاركة.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!