بدأ اليوم ما بدا مستحيلاً طوال عقود من الصراع، وما عجزت عنه حروب ومفاوضات ومبادرات امتدت لما يقارب نصف قرن. إلا أن أهمية أي اتفاق سياسي لا تكمن فقط في لحظة توقيعه، بل في الأسئلة الكبرى التي يفرضها على الوعي الجماعي للشعوب التي دفعت أثمانه.
وأول هذه الأسئلة: هل كان بالإمكان الوصول إلى هذه النتيجة قبل خمسين عاماً، من دون كل هذا الثمن الباهظ من الشهداء والدمار والتهجير وخسارة أجيال كاملة عاشت بين الحرب والانتظار والخوف من المستقبل؟
في الفلسفة السياسية، تُقاس شرعية السلطة بقدرتها على حماية المجتمع وتحقيق الاستقرار وضمان أمن المواطنين. ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت كلفة استمرار الصراع على مدى عقود أكبر بكثير من كلفة التسوية التي يجري الوصول إليها اليوم. كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل كان تأخر الوصول إلى هذه المرحلة نتيجة تعقيدات إقليمية ودولية، أم نتيجة فشل النخب السياسية في إدارة الأزمة وإنتاج حلول واقعية في وقت مبكر؟
إن الاتفاق الذي جرى توقيعه بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية لا يمثل مجرد تفاهم أمني أو وقف لإطلاق النار، بل يؤسس لمرحلة سياسية وأمنية جديدة في جنوب لبنان. فمع إنشاء مناطق رقابة وإشراف أمني خاصة، ومنها ما يُعرف بـ”Pilot Zone”، ستدخل عشرات القرى الجنوبية في واقع مختلف عما عرفته خلال العقود الماضية.
ومن الطبيعي أن تؤدي هذه التحولات إلى إعادة تشكيل أولويات السكان ومصالحهم اليومية. فالمجتمعات التي تعيش لفترات طويلة في ظل ترتيبات أمنية مستقرة تبدأ تدريجياً في بناء علاقات جديدة مع الواقع القائم، مهما كانت طبيعة هذا الواقع. وهذا ما تؤكده تجارب عديدة شهدتها مناطق نزاع حول العالم، حيث يتحول الهم الأمني تدريجياً إلى هم اقتصادي واجتماعي ومعيشي.
ومن منظور إدارة الأزمات، فإن توقيع الاتفاق لا يعني انتهاء الأزمة، بل يمثل بداية مرحلة أكثر تعقيداً تُعرف بمرحلة إدارة ما بعد الصراع. ففي هذه المرحلة تُطرح أسئلة تتعلق بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة تعريف الأدوار السياسية والعسكرية للقوى التي لعبت أدواراً محورية خلال سنوات المواجهة.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز موقع حزب الله بوصفه أحد أبرز التحديات السياسية في المرحلة المقبلة. فمع اتجاه الدولة نحو تكريس احتكارها للقرار الأمني والعسكري، ستتصاعد الضغوط الداخلية والخارجية لإعادة رسم حدود العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة خارج المؤسسات الرسمية. وقد ينعكس ذلك توتراً داخل البيئة السياسية التي يمثلها الثنائي الشيعي وحلفاؤه، خصوصاً إذا شعر جزء من جمهوره بأن النتائج السياسية النهائية لا تتناسب مع حجم التضحيات التي قُدمت خلال العقود الماضية.
أما على المستوى الداخلي، فمن المرجح أن يرافق هذه التحولات غضب شعبي واعتراضات سياسية داخل البيئات الحاضنة للقوى المتضررة من الاتفاق. وقد تتطور هذه الاعتراضات إلى ضغوط جدية على الحكومة الحالية، بما يفتح الباب أمام استقالتها أو إعادة تشكيلها ضمن تسوية سياسية جديدة هدفها احتواء الشارع وامتصاص حالة الاحتقان.
وفي هذا السياق، قد يُطرح اسم فيصل كرامي كأحد المرشحين لتولي رئاسة حكومة جديدة تحظى بغطاء سياسي أوسع وقبول أكبر لدى القوى المعترضة، في إطار عملية تهدف إلى إعادة إنتاج التوازنات الداخلية وتهدئة المشهد السياسي، بما يسمح بتمرير المرحلة الانتقالية بأقل قدر ممكن من الصدامات.
لكن بعيداً عن الحسابات الحكومية والتوازنات الحزبية، يبقى السؤال الدستوري والسياسي الأكثر أهمية: من يملك حق اتخاذ القرارات المصيرية في الدولة اللبنانية؟ فإذا كانت المؤسسات الرسمية ولجان التفاوض المخولة دستورياً تمثل الدولة اللبنانية في المفاوضات، فما هي الحدود الفاصلة بين القرار الحزبي والقرار السيادي؟ وكيف يمكن تفسير قبول توقيع اتفاقات مصيرية من قبل شخصيات أو قوى سياسية، في حين يُثار الجدل حول صلاحية ممثلي الدولة أنفسهم في اتخاذ قرارات مشابهة؟
في النهاية، قد يشكل هذا الاتفاق نقطة تحول تاريخية في مسار لبنان والمنطقة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة المؤجلة منذ عقود: من يملك قرار الحرب والسلم؟ وما هي حدود السلطة السياسية؟ وكيف يمكن بناء دولة قادرة على إدارة الأزمات قبل أن تتحول إلى كوارث وطنية؟
في الختام؛ الى متى يا دولة !!!!
بقلم آرام ت.

