منذ عقود، تتردد في الفضاء العام شعارات كبرى ذات طابع إيديولوجي حاد، من نوع “الموت لأمريكا”، في وقت يكشف فيه الواقع مساراً مختلفاً تماماً. إذ تستجلب أحدث التقنيات من الدول نفسها التي يرفع ضدها خطاب الرفض، وتعتمد منجزاتها العلمية والتكنولوجية في مختلف المجالات. هنا يبرز أول مستويات التناقض بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعمق التناقض في مظاهر أخرى من الحياة اليومية. ففي الوقت الذي تستخدم فيه توصيفات دينية وسياسية صارمة تجاه “الآخر”، نرى أبناء هذه المجتمعات يرسلون إلى تلك الدول نفسها لمتابعة تحصيلهم العلمي والحصول على أرفع الشهادات الأكاديمية. بل إن المفارقة تتسع أكثر عندما يلجأ البعض إلى هذه الدول طلباً للأمان أو الاستقرار أو الفرص المعيشية، هرباً من أزمات داخلية أو أوضاع غير مستقرة. وهكذا، لا يعود التناقض مجرد حالة عابرة، بل يتحول إلى نمط متكرر في السلوك العام.
اقرأ أيضًا: لبنان بين خيار الحرب ومنطق التفاوض – بقلم آرام ت.
وانطلاقاً من ذلك، ينسحب هذا الازدواج على مستوى السياسات أيضاً. فالخطاب السياسي المتشدد تجاه “الآخر” لا يمنع عملياً الاعتماد عليه عند الحاجة، سواء في مجالات الدفاع أو التكنولوجيا أو الاقتصاد. وبذلك يتكرّس واقع يقوم على ازدواجية واضحة: خطاب يشدد على القطيعة، وممارسة تقوم على التعاون أو الاستفادة المباشرة. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا التناقض تفصيلاً هامشياً، بل أصبح عاملاً مؤثراً في تشكيل الوعي العام، إذ يضعف المصداقية ويخلق فجوة مستمرة بين ما يُقال وما يُمارس.
ومن هنا، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إلى متى يستمر هذا الانفصام بين القول والفعل؟ ومتى يصبح من الضروري إعادة بناء الخطاب العام على أساس من الاتساق والوضوح، بحيث تنسجم المواقف مع الواقع بدل أن تبقى أسيرة الشعارات؟
ولفهم أعمق لهذه الإشكالية، لا بد من النظر إلى طبيعة العلاقات الدولية نفسها، التي لا تدار غالباً وفق الشعارات، بل وفق المصالح والوقائع. فالتاريخ يقدم نماذج واضحة على ذلك؛ إذ شهدت العلاقات بين إيران وإسرائيل سنة 1950 شكلاً من أشكال الاعتراف والتعاون غير المعلن في مجالات متعددة، رغم التباينات المعلنة. وبغض النظر عن السياق التاريخي لهذا المثال، فإنه يعكس حقيقة أساسية: المصالح العملية كثيراً ما تتقدم على الخطابات الإيديولوجية.
أما في الحاضر، فنحن أمام عالم تتحرك فيه الدول بوضوح وفق أولوياتها الاستراتيجية، بينما ما زالت بعض السياسات في لبنان تعاني من فجوة بين الخطاب والممارسة، ما يضعف القدرة على صياغة قرارات متماسكة ومستقرة.
وفي هذا السياق، يبرز موضوع التفاوض في لبنان كأحد أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل. إذ إن مجرد اللقاء أو المصافحة مع “العدو” لا يرتب بحد ذاته التزاماً قانونياً ملزماً. وحتى بافتراض خلاف ذلك، فإن أي مسار تفاوضي يبقى خاضعاً للأطر الدستورية، حيث تندرج هذه الصلاحيات ضمن دور رئيس الجمهورية، وفق المواد الدستورية بما في ذلك المواد 49 و50 و52 و60 و65. ومع ذلك، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه، سواء أُقدم عليها أم لا، تبقى محاطة بتعقيدات سياسية داخلية وخارجية تجعل القرار شديد الحساسية.
غير أن السؤال الجوهري يتجاوز هذه التفاصيل الإجرائية: ما هي المصلحة الوطنية العليا؟ وكيف يمكن صياغة قرار سياسي يوازن بين الواقع والتحديات، من دون الوقوع في أسر الشعارات أو ردود الفعل؟
لقد طرحت مثل هذه الفرص في مراحل سابقة، ومنها ما ارتبط بعهد الرئيس آمين الجميل، وقيل في حينها إنها قد لا تتكرر قبل عقود. وها هي تعود اليوم، لتعيد طرح الإشكالية نفسها: هل تهدر الفرص مرة أخرى، بما يفاقم الأزمات ويورّث الأجيال القادمة مزيداً من الاضطراب؟ أم أن اللحظة الراهنة قد تفتح الباب أمام مقاربة أكثر عقلانية، تقوم على تغليب المصلحة الوطنية واعتماد البراغماتية السياسية، بما يخفف من حدة التناقض بين الخطاب والممارسة؟
في الختام، إلى متى هذا التناقض، بحق أنفسنا وبحق الأجيال القادمة يا أولاد آدم؟

