مع اقتراب نهاية عام 2025، وفي ظل أجواء الأعياد التي تحمل معها آمالًا بسنة جديدة يسودها السلام والخير والمحبة، أجد من المناسب أن أختتم مقالات هذا العام بطرح قضية وطنية حساسة، لا تزال مفتوحة على تساؤلات مشروعة، وتستحق إعادة النظر من منطلقات قانونية، سياسية، وسيادية. إنها قضية مرسوم التجنيس رقم 5247 الصادر عام 1994، والتي باتت تمثل نموذجاً صارخاً لتحديات الدولة اللبنانية في إدارة ملف الجنسية، بوصفها أحد أركان السيادة والهوية الوطنية.
في المضمون، صدر المرسوم المذكور خلال عهد الرئيس إلياس الهراوي ورئاسة الحكومة برئاسة الشهيد رفيق الحريري، وقضى بمنح الجنسية اللبنانية لعشرات الآلاف من الأشخاص دفعة واحدة. وقد شمل المرسوم فئات متعددة، من بينها مكتومو القيد، وأشخاص مقيمون منذ عقود في لبنان، إضافة إلى عدد من الفلسطينيين والسوريين وغيرهم. غير أن المراجعات اللاحقة كشفت أن عدداً كبيراً من المجنّسين لا يستوفي الشروط القانونية المنصوص عليها في قانون الجنسية اللبناني، ما أثار جدلًا واسعاً حول شرعية المرسوم وأبعاده السياسية والديمغرافية.
أما من الناحية القانونية، يُفترض أن يكون منح الجنسية اللبنانية قائماً على معايير فردية صارمة، تراعي مبدأ الاستحقاق، وتُخضع كل حالة لدراسة دقيقة. إلا أن مرسوم 1994 اتسم بطابع جماعي، ما يتعارض مع روح القانون اللبناني الذي يعتبر التجنيس استثناءً لا قاعدة. كما أن غياب الشفافية في تحديد المعايير، وعدم نشر لوائح الأسماء بشكل علني، شكّل خرقاً لمبدأ العلنية والمساءلة، وهما من ركائز الحكم الرشيد.
وقد شهدت السنوات اللاحقة تقديم طعون عديدة أمام مجلس شورى الدولة، الذي أصدر في عام 2003 قراراً بإبطال مئات حالات التجنيس (تقدّر بين 400 و600 اسم)، دون أن يُلغى المرسوم بكامله. وبقيت الغالبية العظمى من المجنّسين محتفظين بجنسيتهم، رغم الشكوك القانونية التي تحيط بملفاتهم.
في البُعد السياسي والديمغرافي لا يمكن فصل هذا المرسوم عن السياق السياسي الذي صدر فيه، إذ اعتبره كثيرون أداة لإعادة تشكيل التوازنات الطائفية والانتخابية في البلاد، بعيداً عن أي رؤية وطنية جامعة. وقد ساهم ذلك في تعميق الانقسام الطائفي، وأضعف الثقة بين المواطنين والدولة، التي بدت وكأنها تتعامل مع الجنسية كأداة سياسية لا كحق سيادي.
اقرأ أيضاً: لبنان بين التوصيف الخارجي والحقيقة السيادية – بقلم آرام ت
في البعد الفلسفي، تُعد الجنسية أكثر من مجرد وثيقة قانونية؛ إنها تعبير عن الانتماء، والمشاركة في المصير الوطني، والالتزام المتبادل بين الفرد والدولة. وعندما تُمنح الجنسية خارج إطار العدالة والشفافية، تتحول من رابطة مدنية إلى امتياز سياسي، ما يُفرغها من معناها الأخلاقي، ويُضعف مفهوم المواطنة.
انطلاقاً من كل ما سبق، نوجّه نداءً إلى السلطات اللبنانية، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية والحكومة، بضرورة إعادة فتح هذا الملف، وإجراء تدقيق شامل وشفاف في كل حالات التجنيس التي شملها مرسوم 1994. كما نطالب بسحب الجنسية من كل من ثبت عدم استحقاقه لها قانوناً، مقابل منحها للمستحقين الحقيقيين، وفي مقدمتهم مكتومو القيد من أصول لبنانية، الذين حُرموا من حقوقهم لعقود.
إن معالجة هذا الملف ليست مجرد تصحيح لخطأ إداري أو قانوني أو مذهبي، بل خطوة أساسية نحو استعادة ثقة المواطن بالدولة، وترسيخ مبدأ العدالة الدستورية، وصون الهوية الوطنية من العبث السياسي.
في الختام، كل عام والجمهورية بألف خير.
آرام ت.


