سنة 1948، استقبل لبنان هذا البلد الصغير من حيث المساحة والعريق في انتمائه العربي مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين بحفاوة على المستويين الشعبي والرسمي بعد نكبة، ووفّر لهم الرعاية رغم محدودية موارده وضيق أراضيه. وقد أنشأ لهم “المخيمات الفلسطينية” التي ما زالت تعاني من أزمات متواصلة منذ ذلك الحين، نتيجة تقاعس الأمم المتحدة، والدول الكبرى، والجامعة العربية عن بذل جهد حقيقي لإعادتهم إلى وطنهم، رغم امتلاكهم “حق العودة”، أو العمل على إعادة توطينهم في دول يمكن أن توفر لهم حياة كريمة وإنسانية. ومع مرور الوقت، أصبح وجودهم يشكّل عبئاً إضافياً على الاقتصاد اللبناني المتعثر، فيما يكمن الخطر الأكبر في محاولات فرض توطينهم بشكل دائم، وهو ما يُعدّ انتهاكاً لسيادة الدولة اللبنانية ودستورها، وتهديداً لمصير الشعب اللبناني وحقوقه وخياراته الوطنية. فالتوطين يضع لبنان، كدولة صغيرة، أمام مخاطر جسيمة، أبرزها الخلل الديمغرافي، والتداعيات الاقتصادية والسياسية والقانونية والحضارية.
سنة 2011، لم يختلف الموقف الإنساني الذي أبداه لبنان تجاه اللاجئين الفلسطينيين عن موقفه من النازحين السوريين، رغم أن الأعداد الكبيرة للأخيرين فرضت على لبنان أعباء جسيمة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية، باتت تتجاوز قدرته على تحمّلها. ويزداد الأمر تعقيداً في ظل تقارب أعداد النازحين مع عدد اللبنانيين المقيمين، الذين يرزحون بدورهم تحت وطأة أوضاع معيشية واقتصادية وأمنية قاسية، في غياب أي دعم فعلي من المجتمع الدولي، الذي يبدو أنه يطبّق مبادئ حقوق الإنسان بشكل حصري على النازحين السوريين، متجاهلاً معاناة اللبنانيين. وقد برز هذا التحيّز في سعي بعض الجهات الأممية إلى ممارسة ضغوط على لبنان بهدف دفعه للتوقيع على “اتفاقية جنيف للاجئين”، مما يمنح هذه الجهات صلاحيات واسعة في إدارة شؤون النازحين، بعيداً عن إشراف الدولة اللبنانية.
يحصل النازحون السوريون في لبنان على مختلف أنواع المساعدات من منظمات الأمم المتحدة والجمعيات، بموجب امتلاكهم لبطاقة “نازح”، في وقت يزاول فيه العديد منهم أنشطة تجارية، ومهنًا حرة، وأعمال تهريب كما أشرنا سابقاً في مقالات عدة. إلى جانب المساعدات الصحية والغذائية والمالية، يستفيد هؤلاء أيضاً من شبكتي المياه والكهرباء والطرقات وأستهلاك جميع الخدمات في لبنان دون تسديد أي رسوم، في حين يُثقل كاهل المواطن اللبناني بالضرائب والرسوم ويعاني من الجوع والحرمان نتيجة أزمة اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ البلاد.
وهنا يُطرح التساؤل المشروع: كيف يُوفَّر للنازح السوري في لبنان كل مقومات البقاء والصمود، بينما اللبناني نفسه يعيش تحت خط الفقر مع الحد الأدنى الرسمي للأجور 300 دولار؟ من الطبيعي إذاً أن يرفض البعض من النازحين العودة إلى بلادهم، متذرعين بحجج مختلفة، طالما أنهم يعيشون في ظروف أفضل من المواطن اللبناني ويتقاضون مساعدات بالدولار. هذه المعطيات تثير شكوكاً ومخاوف حقيقية من احتمال وجود توجه دولي غير معلن نحو توطينهم في لبنان واستخدامهم لأجندة سياسية أخرى.
لا سيما بعد أن بدأت الحكومة اللبنانية والأجهزة العسكرية والأمنية باتخاذ إجراءات صارمة بحق المخالفين منهم، خصوصاً أولئك الذين لا يحملون أوراقاً قانونية، أو المتورطين في جرائم وإشكالات واعتداءات. وقد قامت الجهات المختصة بترحيل البعض منهم، الأمر الذي قوبل باعتراض شديد من منظمة “العفو الدولية”، التي أصدرت بيانأ طالبت فيه بوقف ما وصفته بـ”الترحيل القسري”، وهاجمت إجراءات الدولة والجيش، متهمة المجتمع اللبناني بالعنصرية وسوء معاملة النازحين. في المقابل، تغاضت المنظمة نفسها عن إجراءات مشابهة اتخذتها دول أخرى بحق نازحين، ما يطرح تساؤلات حول دوافعها، ويعزز الانطباع بأن مفاهيم “الإنسانية” تُستخدم أحياناً كأداة لتمرير أجندات سياسية ذات طابع ضاغط وعدائي. تبدو “المفوضية العليا لشؤون اللاجئين” وكأنها تدفع النازحين السوريين إلى البقاء في لبنان من خلال ما تقدمه لهم من مساعدات صحية وغذائية ومالية، دون أن تأخذ في الحسبان ما يشكله هذا الوجود من أزمة متعددة الأوجه على اللبنانيين، تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية والأمنية والحاضرية. وكأن هذه السياسة تُترجم عملياً إلى دعم غير معلن لمخطط توطينهم في لبنان. وقد أثارت هذه المقاربة انتقادات واسعة من جهات سياسية ودينية ومدنية. في هذا السياق، اتخذت عدة بلديات تدابير للحد من حرية حركة النازحين، من بينها فرض حظر تجول ليلي، وترحيل من ثبتت مخالفتهم للقوانين أو تورطهم في جرائم، سواء مادية أو معنوية.
وتجدر الإشارة إلى أن الدافع الأساسي لبقاء عدد كبير من النازحين في لبنان ليس أمنياً أو سياسياً وخاصة بعد انتقال النظام في سورية، بل اقتصادي بحت، بهدف الاستفادة من المساعدات المقدّمة من المنظمات الدولية. وعليه، فقد تحوّلوا عمليًا إلى “لاجئين اقتصاديين”، لا إلى نازحين فارين من خطر مباشر، خاصة وأن الغالبية منهم تُعرف بمواقفها المؤيدة للنظام السوري جديد، ما ينفي وجود تهديد أمني حقيقي يبرر استمرارهم في لبنان. ومما يعزز الشكوك حول وجود نية لتوطين النازحين السوريين في لبنان، هو موقف “المنظمات الدولية” التي ترفض عودتهم إلى بلادهم، متذرعة بأن ظروف العودة “الآمنة” لم تتوفر بعد. يأتي هذا في وقت يرزح فيه لبنان تحت عبء استضافة أكبر عدد من اللاجئين في العالم نسبةً إلى عدد سكانه، دون أن يلقى أي دعم فعلي يُراعي هذه الحقيقة. فاهتمام تلك المنظمات يبدو منصباً فقط على تقديم المساعدات للنازحين السوريين وتشجيعهم على البقاء في لبنان، بدلاً من العمل على تأمين عودتهم.
وفي ظل هذه الفوضى والمخاوف المتزايدة المرتبطة بالوجود السوري في لبنان، تبدو السلطات اللبنانية عاجزة تماماً عن التعامل مع هذا الملف المعقد، والحكومات السابقة فشلت فشلًا ذريعاً في وضع خطة واضحة لإدارته. وقد لجأ كثير من هؤلاء إلى المخيمات التي تحولت تدريجياً إلى ملاذات غير خاضعة للرقابة، وبؤر محتملة للفوضى الأمنية. إذ باتت بعض هذه المخيمات مأوى لعصابات وتسجيل حالات متزايدة من الولادات غير القانونية، التي لا تُوثّق في السجلات الرسمية اللبنانية. كل ذلك يثير تساؤلات خطيرة حول تداعيات استمرار هذا الواقع، لا سيما من زاوية التوازن الديمغرافي، والهوية الحضارية، والاستقرار الأمني للبنان، في حال فُرض التوطين واقعاً.
ومن هنا، تعالت أصوات سياسية وشعبية مطالِبة بترحيل النازحين، خصوصاً في ضوء تحسن الوضع الأمني في سوريا بحكم الرئيس أحمد الشرع. في المقابل برزت مواقف أخرى ترفض العودة بذريعة عمالة الزراعة وخدمات المطاعم وغيرها، بإنكار الحقيقة خصوصاً المستفيدين الذين يتقاضون رواتب ب “دولار” من جمعيات على علاقة بالأمم المتحدة، حبذا لو يقتنع هؤلاء أن هذه الاستفادة على حساب ” المصلحة العامة” لا تشكل جزءاً صغيراً مما يخسره لبنان في ظل وجود اللاجئين السوريين فيه، ما أدى إلى انقسام في مقاربة هذا الملف بين أطراف سياسية وطائفية وتجارية، واتّهامات متبادلة بـ”العنصرية”، بعيداً عن الاعتبارات الوطنية والمصلحة العامة. هذا الانقسام يعيد إلى الأذهان مشاهد الانقسام اللبناني في التعامل مع ملف اللاجئين الفلسطينيين في الماضي، والذي ساهم في إشعال فتيل الحرب الأهلية، ما يثير القلق من أن يؤدّي غياب التوافق حول ملف النزوح السوري إلى اضطرابات مشابهة، في حال لم يُعالج بجدية ومسؤولية بأسرع وقت.
في جميع الأحوال، يقع على عاتق الأمم المتحدة والدول الكبرى مسؤولية إيجاد حل جذري لملف النزوح السوري، من خلال التنسيق المباشر مع الرئيس أحمد الشرع لضمان عودة النازحين إلى بلادهم. ويتطلب ذلك التوصل إلى اتفاقيات واضحة تضمن سلامة العائدين وتأمين مساكن مؤقتة في مدنهم وقراهم للذين فقدوا منازلهم نتيجة الحرب، وتقديم الدعمين المادي والمعنوي لهم، ووقف تحويل المساعدات المالية فوراً التي يتلقونها في لبنان. كما يتوجب على الحكومة اللبنانية الحالية أن تتحرك بفعالية في هذا الاتجاه، بالتنسيق مع الدولة السورية، والدول العربية، والجهات الدولية المعنية، لتأمين العودة الفورية للنازحين، خاصة بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين بيروت ودمشق إلى طبيعتها. ويتعيّن على الدولة اللبنانية تشديد الرقابة على الحدود لضبط عمليات الدخول غير الشرعي. كما يجب مراقبة المخيمات وتفتيشها بشكل دوري.
إذاً، ليست المسألة مجرّد “شعارات شعبوية” أو “خطابات عنصرية” كما يروّج بعض الأطراف، بل هي قضية وطنية عميقة تتعلق بوجود خطر حقيقي يهدد لبنان على مستويات متعددة: من هويته الوطنية وحضارته، إلى نسيجه الاجتماعي، وتركيبته الديمغرافية، مروراً باقتصاده المنهك وأمنه الداخلي. وهذه التحديات تتطلب معالجة جديّة ومسؤولة، بعيدة عن المزايدات والانقسامات. من هنا، تقع على الدولة اللبنانية مسؤولية مضاعفة في الضغط على المجتمع الدولي لإعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، منعاً لتكرار أزمة اللجوء الفلسطيني، ولتجنّب الوقوع في واقع يشبه “احتلالًا مقنّعًا” تحت عنوان “النزوح الإنساني”. فهل سيتمكن لبنان، الذي سبق أن تحرّر من الاحتلال والوصاية، من الحفاظ على سيادته وقراره الحرّ واستقلاله الوطني؟ أم أن التسويات السياسية الكبرى، الإقليمية والدولية، ستدفعه نحو مزيد من الانهيار، فينتهي به الأمر مضطراً للقبول بتوطين النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، رغم أن الدستور اللبناني يرفض ذلك بشكل قاطع ؟
اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد ،،،
27-07-2025

