لبنان مقبل على مرحلة حساسة قد تفتح الباب أمام مفاوضات مع إسرائيل، في وقت دقيق وقاس تمر به. ومن الطبيعي أن ينقسم الرأي العام بين مؤيدٍ ورافض، تبعاً لاعتبارات سياسية وتاريخية وعاطفية متعددة. لكن يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن أن تنجح هذه المفاوضات؟ الجواب، وفق المعطيات الحالية، ليس محسوماً، بل يميل إلى الشك أكثر منه إلى اليقين.
في البداية بالعنوان، استبعدنا خيار المقاومة، لأن هذا الخيار، منذ الاستقلال، لم يخدم الاستقرار والأمن، بل استُخدم كأداة لقضايا ليست لبنانية، ولا يمتّ اللبنانيون إليها بصلة.
في علم السياسة، لا يُنظر إلى التفاوض كخيار أخلاقي بحت، بل كأداة من أدوات إدارة الصراع. ووفق المدرسة الواقعية في العلوم السياسية، تسعى الدول إلى تحقيق مصالحها الوطنية قبل أي اعتبار آخر، حيث يختزل السلوك السياسي غالباً بموازين القوة والمصلحة. ويُعبَّر عن هذا المنطق بوضوح في أفكار نيكولو مكيافيلي، الذي رأى أن السياسة تُبنى على البراغماتية لا على المثاليات. كما نجد جذور هذا الطرح في كتابه “الأمير”، حيث تُطرح فكرة أن الغاية قد تبرر الوسيلة عندما يتعلق الأمر ببقاء الدولة. من هنا، يصبح التفاوض أداة لخفض الخسائر أو تحقيق مكاسب نسبية، وليس بالضرورة تعبيراً عن ثقة أو توافق كامل أو أستسلام.
أما في الفلسفة، فيرتبط التفاوض بفكرة الحوار والعقلانية. فقد طرح يورغن هابرماس مفهوم “الفعل التواصلي”، حيث يُفترض أن الحوار القائم على العقل يمكن أن يقود إلى تفاهم مشترك بعيداً عن الإكراه. في المقابل، يشكك توماس هوبز في هذه النظرة المتفائلة، إذ يرى أن الإنسان مدفوع أساساً بالخوف والمصلحة، وأن الصراع هو الحالة الطبيعية، ما يجعل التفاوض أحياناً مجرد هدنة مؤقتة لا أكثر.
دروس من التاريخ: التاريخ مليء بأمثلة لدول خاضت حروباً دامية، ثم انتقلت إلى السلام، بل وإلى الشراكة أحياناً. فبعد الحرب العالمية الثانية، تحولت العلاقة بين فرنسا وألمانيا من عداوة إلى تعاون ضمن الاتحاد الأوروبي. كما شهدت المنطقة اتفاقيات مثل اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 بين مصر وإسرائيل، ومعاهدة وادي عربة عام 1994 بين الأردن وإسرائيل. وكذلك انتهت حرب فيتنام إلى تطبيع العلاقات بين فيتنام والولايات المتحدة. هذه النماذج تؤكد أن الصراعات، مهما طالت، يمكن أن تنتهي بالتفاوض، لكن بشروط دقيقة وتوازنات واضحة.
اقرأ أيضًا: بين ضياع الوقت وضياع الإنسان في لبنان – بقلم آرام ت.
في السياسة، لا يوجد حليف دائم ولا عدو دائم، بل مصالح دائمة. برأيي أهم مبادئ التفكير السياسي الرصين “الشك المنهجي”، الذي لا يعني الرفض المطلق، بل الحذر الواعي. فالشك يفتح المجال أمام قراءة أعمق للواقع واستشراف أدق للمستقبل، ويمنع الوقوع في أوهام الثقة المطلقة أو الرفض المطلق.
انطلاقاً من ذلك، يمكن تأييد إجراء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، ليس بدافع التفاؤل الساذج، بل من منطلق واقعي يسعى إلى استكشاف الفرص وتقليل المخاطر، شرط أن تكون هذه المفاوضات قائمة على حماية السيادة اللبنانية الكاملة ضمن حدودها المعترف بها (10,452 كلم²)، وأن تهدف إلى تحقيق الاستقرار والأمن.
لقد آن الأوان أن يتوقف لبنان عن دفع ثمن صراعات الآخرين، وأن تُعاد توجيه البوصلة نحو المصلحة الوطنية أولًا، وبناء مستقبل يرتكز على الاستقرار والسلام، دون التفريط بالحقوق أو الوقوع في فخاخ السياسة.
في الختام، يبقى كل ذلك حبراً على ورق ما لم يكن هناك سلاح موحّد بيد الدولة، وجيش واحد تحت قيادة رسمية.
آرام ت.

