دفع لبنان ثمناً باهظاً للحفاظ على السلم الأهلي وصون ما تبقّى من الحضارة الوطنية اللبنانية. فمنذ الاستقلال، تحوّلت الطائفية السياسية إلى لعبةٍ ذات دورة تدميرية، تتجدد كلما ظن اللبنانيون أنهم اقتربوا من الاستقرار. فبدل أن تكون التعددية مصدر غنى، أصبحت في كثير من الأحيان أداة صراع وتنازع على السلطة والهوية.
لقد ساهمت العقائد السياسية المتناقضة في تعميق هذه الأزمة، فصار لبنان ساحةً لتجارب أيديولوجية متعارضة، تتنازع على روحه ومستقبله. وما يمكن تسميته بـ”الفولكلور السياسي” لعب دوراً أساسياً في هذا المسار؛ بدءاً من السياسات المارونية التقليدية والاقطاع في مرحلة ما بعد الاستقلال، مروراً بالمشاريع القومية التي بشّر بها أنطون سعادة مع تدخل النظام السوري البعثي، ثم الحقبة الحريرية التي ارتبطت بإعادة الإعمار والاقتصاد الريعي، وصولًا إلى مرحلة نفوذ “دويلة ولاية الفقيه” التي أعادت رسم موازين القوى داخل الدولة.
وخلال هذه المراحل، أدّت هذه الحقبات السياسية إلى استقبال آلاف الفلسطينيين والسوريين بصفتهم لاجئين (فاقدين الصفه)، لكنهم اليوم يقيمون بصورة غير قانونية على الأراضي اللبنانية، وقد أصبحوا من مسبّبات الأزمة.
وفي خضم هذه التحولات، عاش لبنان دوامةً متكررة من الزعزعة والاقتتال، فالدمار، ثم إعادة الإعمار، فالتراكم الهائل للديون العامة، وصولًا إلى الانهيار المالي وحجز الودائع في المصارف والهجرة خيرة كوادرها، وكأن التاريخ اللبناني يسير في حلقة مفرغة، حيث يتكرر المشهد بأشكال مختلفة، لكن بالنتائج نفسها.
يقول جورج هيغل “التاريخ يعلمنا أن البشر لا يتعلمون شيئاً من التاريخ.” وفي سياقٍ مشابه، يذكّرنا كارل ماركس بأن “التاريخ يعيد نفسه، المرة الأولى كمأساة، والمرة الثانية كمهزلة.” أما مونتسكيو فكان قد حذّر منذ قرون من خطورة اختلاط السلطة بالمصالح الضيقة، قائلاً “كل من يملك السلطة يميل إلى إساءة استعمالها.”
إن مأساة لبنان ليست فقط في أزماته السياسية والاقتصادية، بل في استمرار إنتاج النظام نفسه الذي يولّد تلك الأزمات. فحين تتحول الدولة إلى ساحة صراع بين الطوائف والأيديولوجيات، يصبح الوطن مجرد إطار هشّ، وتضيع المصلحة العامة بين الولاءات المتناحرة.
لقد تحوّل الوطن إلى ساحة صراع مشاريع: مشاريع إقليمية، أيديولوجيات متضاربة، وزعامات طائفية لا تعيش إلا على الأزمات. وبين الدمار وإعادة الإعمار، وبين الديون والانهيارات المالية، يدفع الشعب اللبناني الثمن مرتين: مرة حين تُدمَّر الدولة، ومرة حين يُطلب منه أن يمول إعادة بنائها. كما قال ابن خلدون “الظلم مؤذن بخراب العمران.” وإذا كان التاريخ اللبناني الحديث يثبت شيئاً واحداً ، فهو أن الظلم السياسي، والفساد البنيوي، واستمرار نظام المحاصصة، ليست مجرد أخطاء عابرة، بل هي وصفة مؤكدة لتكرار الخراب.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كل لبناني اليوم؛ إلى متى سيبقى لبنان يدفع ثمن هذه الدورات المتكررة من الصراع والانهيار؟ وإلى متى سيظل الشعب رهينة نظام يعيد إنتاج أزماته بدل أن يصنع مستقبله؟
آرام ت.
١٢-٣-٢٠٢٦

