كتب الإعلامي ريكاردو كرم: في لبنان، حتى الكلمات فقدت معناها الحقيقي. يُفترض بـ”العفو العام”، بمفهومه، أن يكون خطوة تُقفل جراح الحروب، وتساعد المجتمعات على العبور نحو المصالحة تحت سقف العدالة والدولة. أمّا عندنا، فتحوّل إلى بازار سياسي تُقايَض فيه الدماء، والسرقات، والفساد، والجرائم، وفق المصالح والتوازنات والاصطفافات الطائفية.
وأكد كرم: المشكلة ليست فقط في فكرة العفو بحدّ ذاتها، بل في ازدواجية المعايير المحيطة بها. هناك من يطالب بالعفو عن قتلة الجيش، والمجرمين، والفاسدين، والمهرّبين، وتجار المخدرات، وحتى المتهمين في ملفات “النافعة” و”العقارية” … وكل فريق يكتشف فجأة فضيلة “التسامح” عندما يتعلّق الأمر بجماعته، بينما يطالب بأقصى درجات العدالة للآخرين.
لا تُبنى الدولة هكذا. فالعدالة حين تصبح انتقائية تتحوّل إلى انتقام، والعفو حين يُمنح بلا حقيقة ولا محاسبة يصبح إهانة للشهداء والضحايا وأهاليهم.
وأضاف كرم: في أي دولة طبيعية، قد يكون العفو جزءاً من تسوية تاريخية تُرافقها إصلاحات حقيقية، وقضاء قوي، ومؤسسات قادرة على حماية المجتمع ومنع تكرار الجرائم. أما في لبنان، فالمأساة أعمق بكثير.
نحن لا نعيش في دولة قوية تفرض القانون على الجميع، ولا في نظام تعلّم من أخطائه، بل في بلدٍ ما زالت فيه الطائفية تحكم، والفساد بلا محاسبة، والمؤسسات أضعف من أن تمنع إعادة إنتاج الفوضى نفسها. لهذا يخاف الناس من العفو العام. ليس حباً بالعقاب، بل خوفاً من أن يتحوّل إلى رسالة جديدة تقول إنّ لا شيء له ثمن، وإنّ الجرائم يمكن أن تُمحى بتسوية سياسية أو بتوازن طائفي أو بلحظة مصلحة عابرة.
وربما أخطر ما في العفو العام في لبنان، ليس فقط مَن قد يخرج من السجن، بل ما يترسّخ داخل الناس أنفسهم: ذلك الشعور البطيء بأنّ العدالة لم تعد ممكنة أصلاً، وأنّ الحقيقة أصبحت مجرّد وجهة نظر، وأنّ كل شيء قابل للتسوية إذا امتلك صاحبه ما يكفي من نفوذ أو حماية أو طائفة.
لبنان لا يعاني من نقص في الشعارات، بل من انهيار في المعايير يعود من خلالها الحديث بلغة الرحمة والمصالحة، وكأنّ المحاسبة أصبحت تفصيلاً يمكن تجاوزه. المصالحة الحقيقية لا تُبنى على طمس الجرائم، ولا على النسيان القسري المُغلّف بعنوان “العفو العام”.
الأوطان لا تُشفى عندما تُدفن ملفاتها تحت الطاولات السياسية، بل عندما تصبح العدالة أقوى من الطائفة.
وإلى أن يحصل ذلك، يبقى ما نشهده ليس مصالحة وطنية، بل واحدة من أكبر المسرحيات اللبنانية المستمرة.

