ما جرى في جلسات مجلس النواب خلال اليومين الأخيرين لا يمكن تفسيره بوصفه خللًا إجرائياً أو انفعالًا عابراً. ما حدث هو فعل سياسي مكتمل الدلالة، يكشف أن بعض من يجلسون تحت قبّة البرلمان لا يتعاملون مع البرلمان كمؤسسة تمثيلية وتشريعية، ولا مع الدولة كفكرة جامعة، بل كساحة صراع تُدار بمنطق الغلبة لا بمنطق النقاش.
مقاطعة النواب أثناء كلامهم، وتحويل الجلسة إلى فوضى صوتية، ليسا سلوكاً عرضياً، بل تعبيراً عن عقلية ترى في السياسة امتداداً للعداء، لا إدارةً للاختلاف. وهنا يستحضر الواقع قول توماس هوبز إن المجتمعات، حين تغيب عنها السلطة العقلانية المشتركة، «تنزلق إلى حالة صراع كامن بين الجميع»، أي إلى منطق القوة بدل منطق القانون.
سياسياً، هذا السلوك يعني انتقال الخلاف من مستوى البرامج إلى مستوى الهويات، ومن منطق الدولة إلى منطق الجماعة. فالذي لا يحتمل خطاباً مخالفاً، لا يؤمن بدولة تحتمل مواطنين مختلفين. والذي يعطّل النقاش داخل المؤسسة، إنما يضرب المؤسسة نفسها في الصميم.
أما فلسفياً، فنحن أمام ارتداد واضح عن فكرة العقد الاجتماعي. فالدولة الحديثة، كما يقول جان جاك روسو، تقوم حين «يتحوّل الفرد من كائن خاص إلى مواطن عام»، أي حين يسمو الانتماء المشترك فوق العصبيات الجزئية. لكن ما نشهده اليوم هو العكس تماماً. ولاءات عقائدية تتقدّم على الوطن، وانتماءات حزبية تُرفع فوق الجمهورية، ومشاريع مغلقة تُقدَّم على فكرة الدولة. وهنا يلتقي روسو مع ابن خلدون، حين اعتبر أن العصبية او الثنائية إذا غلبت على فكرة الدولة أفسدتها. وكأن البرلمان، بدل أن يكون عقل الدولة، أصبح مرآة لعصبياتها المتصارعة.
لبنان، بمساحته 10,452 كيلومترًا مربعاً، لم يعد يُعامل كوطن جامع، بل كساحة نفوذ. والجمهورية لم تعد تُرى كمؤسسة سيادية، بل كغنيمة سياسية. وهنا يتجسّد تحذير ماكس فيبر حين ربط الدولة بشرعية القانون لا بشرعية الانتماء، معتبراً أن الدولة تفقد معناها حين تفقد عقلانيتها المؤسسية وتُختزل في الولاء.
وما جرى في المجلس النيابي ليس إساءة إلى نائب بعينه، بل إهانة لفكرة التمثيل نفسها. ليس خلافاً في الرأي، بل رفضاً لمبدأ الرأي. وليس أزمة سلوك، بل إعلان فشل في الانتقال من منطق الطائفة إلى منطق الدولة. وهو ما يشبه من مكان للكلام إلى مكان للضجيج، ومن ساحة للعقل إلى ساحة للانفعال.
السؤال لم يعد: لماذا يتشاجر النواب او يقاطعون بعضهم او ينسحبون من القاعة ؟ بل: كيف يمكن لدولة أن تقوم على أكتاف من لا يؤمنون بها ؟؟؟؟
في الختام ؛ بين برلمان يُفترض أن يكون عقل الجمهورية والتشريع، وبرلمان يتحوّل إلى حنجرتها، تضيع السياسة ويصعد الانقسام. وحين يصبح الصراخ بديلاً عن الحجة، فإن ما يُهزم أولًا ليس الخصم بل الدولة نفسها.
إلى اللقاء،،،،
آرام ت.
عنجر ٢٩-١-٢٠٢٦


