في لبنان، لم تعد المشكلة أنّ الوقت يضيع، بل إنّ الضياع نفسه أصبح هو الوقت. كلّ شيء مؤجَّل، وكلّ شيء معلَّق بين أقوالٍ كبيرة وواقعٍ يزداد قسوةً يوماً بعد يوم. نسمع كثيراً عن القضايا الكبرى، لكننا نرى يومياً كيف تُهمَل القضايا الحقيقية للناس، وكأنّ الإنسان لم يعد أولوية في هذا البلد، رغم وجود عهدٍ قويّ، وكثرة الأقوال والتصاريح والبيانات ومنح الثقة، ولكن من دون جدوى.

منذ سبعين عاماً، يُقال للفلسطيني في المخيمات إن قضيته هي الأولوية. حملها، دافع عنها، ودفع ثمنها عمراً كاملاً. لكن اليوم، لم يعد السؤال فقط: من يدافع عن القضية؟ بل أصبح السؤال الأشد قسوة: من يدافع عن الإنسان؟ المخيمات لم تعد عنوان نضال، بل تحوّلت إلى مساحات بؤسٍ يومي، حيث الإنسان يُترك لمصيره، يبحث عن مأوى، عن عمل، عن كرامة، عن حياةٍ عادية لا أكثر.

وفي المشهد نفسه، هناك أكثر من مليوني سوري في لبنان. ليسوا مجرد أرقام، بل واقعٌ ضاغط بكل معنى الكلمة. يعيشون خارج أي إطار قانوني واضح، وكثيرون لا يرون في العودة خياراً ممكناً. في المقابل، لبنان نفسه لم يعد قادراً على تحمّل هذا العبء، لا اقتصادياً، ولا اجتماعياً، ولا حتى أمنياً.

اقرأ أيضًا: لبنان بين ثمن السلم الأهلي ودورات التدمير السياسي – بقلم آرام ت.

أما اللبناني، فقصته لم تعد أفضل. هو ليس لاجئاً، لكنه أصبح يشبهه حدّ التطابق. يترك أرضه، يهاجر، أو ينزح داخل بلده بحثاً عن فرصة عيش. نصف الشعب يفكّر بالخروج، والنصف الآخر ينتظر لحظة الانهيار الكاملة. لم يعد هناك استقرار، ولا شعور بأن هذا البلد قادر على احتضان أبنائه.

بين نزوحٍ يُقال إنه مؤقت، وواقعٍ يُفرض كأنه دائم، وبين خلطٍ قسريّ للسكان وتبدّلٍ ديموغرافيّ غير محسوب، يتسلّل خوفٌ أكبر: فقدان التوازن، وضياع الهوية، وانفلات الأرض من أهلها. مناطق لم تعد تشبه ناسها، وناس لم تعد تجد مكاناً يشبهها.

هنا تتكشّف الحقيقة القاسية: لبنان لم يعد بلد لجوء، بل أصبح بلد ضياع جماعي. لاجئ يبحث عن وطن، نازح يبحث عن استقرار، ومواطن يبحث عن خلاص.

أكثر من نصف من يعيش على أرضه اليوم يعيش حالة عدم استقرار. المشكلة لم تعد في الأعداد بحدّ ذاتها، بل في الغياب الكامل لأي قرار. لا دولة تنظّم، لا رؤية تُنقذ، ولا حتى اعتراف صريح بحجم الكارثة. فقط وقت يمرّ وضياع يتراكم وانحدار بلا قاع.

وفي النهاية، لم يعد السؤال كم خسرنا من الوقت؟ بل هل بقي شيء أصلًا لنخسره؟ أم أنّنا نخسر ما تبقّى بصمت؟

في الختام، الى متى يا دولة !!!!!!!

بقلم آرام ت.

مشاركة.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!