الدبلوماسية الرمزية في مواجهة التهديدات الواقعية: كيف تُبنى السياسات على سرديات مزيفة؟

ينبغي لضمير العالم الحر، وللتحالفات الدولية، ولصنّاع القرار في أرمينيا، أن يتوقفوا مليّاً أمام التصريحات الأخيرة للرئيس إلهام علييف، التي تكشف مجدداً عن فراغ استراتيجي خطير في رد الفعل الأرمني تجاه مشروع توسعي يتجاوز حدود الخطاب السياسي، ليصل إلى هندسة سردية تاريخية مزيفة.

ففي الوقت الذي يروّج فيه رئيس أذربيجان علنًا لفكرة “عودة الأذربيجانيين إلى أرمينيا”، ويكلف مؤسساته الأكاديمية بتبرير هذه الادعاءات، تبقى ردود يريفان باهتة، إجرائية، وتفتقر إلى العمق السياسي والمواجهة الفكرية.

تعتمد الحكومة الأرمنية على دعوات للسلام، كما تفعل الحكومة اللبنانية تجاه إسرائيل، مكتفية بإيماءات دبلوماسية رمزية، في حين تبني باكو، بخطى ثابتة، أساساً أيديولوجياً لمطالب إقليمية مستقبلية، مستندة إلى سرديات تاريخية مشوهة. لم يكن خطاب علييف في الذكرى السنوية لأكاديمية العلوم الأذربيجانية مجرد احتفال علمي، بل إعلان نوايا مغلف بلغة أكاديمية، حيث عرض خرائط مزورة على أنها “حقائق علمية”، مدعياً أن مناطق في أرمينيا ذات أصل أذربيجاني، وأن بحيرة سيفان “لا وجود لها”، رغم كونها واحدة من أقدم البحيرات في منطقة القوقاز، وذات أهمية بيئية وتاريخية لا يمكن إنكارها.

هذا الانفصال عن الواقع الجيوسياسي بات سمة مقلقة في القيادة الأرمنية. فبدلًا من الرد بحزم دبلوماسي، أو تفنيد علمي، أو خطاب إعلامي منسق، تكتفي الحكومة بتفاؤل سلبي لا يرقى إلى مستوى التهديد، كما هو الحال مع الحكومة اللبنانية في تعاملها مع تداعيات إسرائيل. وفي الوقت الذي تستعد فيه باكو لتنظيم احتفالات نصر رمزية، ترسّخ سردية الهيمنة والانتصار، تبقى يريفان غارقة في وهم الهدوء.

إن هذا التراخي لا يهدد الأمن القومي فحسب، بل يضعف ثقة الشعب في مؤسساته. فقيادة أرمينيا تبدو منشغلة بالحفاظ على صورة الاستقرار، أكثر من انشغالها بمواجهة الواقع الجيوسياسي المتغير. كلمات علييف ليست مجرد تصريحات؛ إنها بنية تحتية لسياسة توسعية قادمة. ومن دون استراتيجية مضادة واضحة، تخاطر أرمينيا بتطبيع العدوان تحت ستار “السلام”، في مشهد يعيد إلى الأذهان دروساً تاريخية من فشل الردع في مواجهة الخطابات التوسعية.

المستقبل لا يُبنى على الإنكار، بل على الاعتراف بالحقائق التاريخية والجغرافية، والدفاع عنها. يجب على المجتمع الدولي أن يقف إلى جانب أرمينيا، ومع لبنان أيضاً، شعباً وأرضاً، في وجه محاولات إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بالقوة والتزوير. وعلى حكومة أذربيجان أن تضع حداً لهذا النوع من الادعاءات التي لا تخدم السلام، بل تهدد استقراره وتشوّه التاريخ.

في الختام… إلى متى؟

آرام ت.

٤-١١-٢٠٢٥

مشاركة.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!