كتبت “الجمهورية”: الطاغي على المشهد الداخلي، هي المراوحة على كلّ الجبهات؛ فعلى الجبهة العسكرية، مراوحة أمنية محفوفة بالقلق من تدحرجها إلى وقائع ومنزلقات خطيرة، يُنذر بها تفاقم الإعتداءات الإسرائيلية وما يواكبها من تهديدات يطلقها المستويان السياسي والعسكري في إسرائيل ضدّ «حزب الله». وعلى الجبهة السياسية، مراوحة مَرَضية خلف متاريس الإنقسام والخيارات والتوجّهات والتناقضات المتصادمة. وعلى الجبهة الحكومية، مراوحة صاخبة بين النقاط الخلافية والملفات الساخنة، تُبقي الحكومة معلّقة على خط التوتر العالي، على رغم من المحاولات التي تكثفت في الفترة الأخيرة لترميم الجسم الحكومي بعد الشقوق والتصدّعات التي أصابته جرّاء السجالات العالية النبرة بين «حزب الله» ورئيس الحكومة نواف سلام.

لا انفراجات

وأضافت “الجمهورية”: “على أنّ الجامع المشترك بين هذه المراوحات؛ الأمنية والسياسية والحكومية بحسب مقاربة رسمية متشائمة لهذا الوضع، هو أنّ أفقها جميعها، لا يَشي بانفراجات، بل هي مفتوحة على احتمالات مجهولة بالنظر إلى تعقيداتها العميقة.

فعلى الجبهة الجنوبية، وفق هذه المقاربة الرسمية المتشائمة، تُجمِع التقديرات السياسية والعسكرية على أنّها الأخطر في ظلّ التفلّت الإسرائيلي من اتفاق وقف إطلاق النار، وأخطر ما يُحيط بهذا الأمر، ليس فقط ما يبدو أنّه تجاهل متعمّد لمطلب لبنان للدول الراعية لاتفاق وقف النار وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية، بإلزام إسرائيل باحترام هذا الاتفاق ووقف عدوانها، بل هي المخاوف، التي بُدِئ يُعبّر عنها بصَوت عالٍ في أوساط سياسية وديبلوماسية، من سيناريوهات حربية أكثر قساوة واتساعاً.

على الجبهة السياسية، انقسام غير قابل للرّدم، وظيفته التوتير والتصعيد. وأمّا على الجبهة الحكومية فجمرٌ كامنٌ تحت رماد الإنفعالات والإحتقانات والمشاعر المتبادلة والملفات الحارقة، وقابل لأن يطفو على السطح في أيّ لحظة، على رغم من الجهود الرئاسية والسياسية التي تُبذل لإطفائه ومنع تثبيت قواعد إشتباك وتوتير بين وقت وآخر داخل الجسم الحكومي.

لزوم ما لا يلزم

وسط هذه الأجواء، يُنتظر وصول نائبة الموفد الأميركي إلى المنطقة مورغان أورتاغوس إلى بيروت، خلال الأيام القليلة المقبلة. واللافت في هذا السياق أنّ الوهج الذي أُعطيَ لهذه الزيارة في الفترة الأخيرة، انخفض بصورة ملحوظة بعد الأخبار الأميركية التي تحدّثت عن قرب مغادرة أورتاغوس موقعها وإسناد ملف لبنان إلى شخصية أميركية بدلاً منها. إذ توقفت مزاريب التبصير والتنجيم عن ضخّ التفسيرات والتحليلات والسيناريوهات.

وفيما ذهبت بعض التقديرات إلى وصف زيارة أورتاغوس المرتقبة بأنّها زيارة وداعية… ولزوم ما لا يلزم، كان لمسؤول رفيع رأي آخر، إذ قال رداً على سؤال لـ«الجمهورية»: «لا أستطيع أن أنفي أو أؤكّد ما إذا كانت أورتاغوس ستبقى في موقعها أو ستُستبدَل، خصوصاً أنّه لم يصدر أي تأكيد رسمي أميركي حول هذا الأمر، وفي أي حال وحتى ولو كان خبر استبدال أورتاغوس صحيحاً، فبمعزل عن الأسباب، فهذا لا يُغيّر شيئاً بالنسبة إلينا، فالأشخاص يتغيّرون، وأمّا سياسة الولايات المتحدة فهي عينها لا تتغيّر بتغيّر الأشخاص».

الوزير الإيراني

وتابعت “الجمهورية”: “في سياق الحضور الخارجي في لبنان، تحتل زيارة وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إلى بيروت صدارة المتابعات الداخلية، وسط تساؤلات حول موجبات هذه الزيارة في هذا التوقيت بالذات. على أنّ شحّ المعلومات حول الغاية الحقيقيّة من زيارة وزير الخارجية الإيراني، أطلق العنان للتكهّنات المتضاربة والمتناقضة، بين رافض لها من حيث المبدأ، وفق ما يعكس المنضوُون في الخط السيادي المناوئ لما يُسمّونه المحور المعادي الذي تقوده إيران، وبين مَن يخشى في الخط نفسه من أنّ الغاية منها هي تطمين «حزب الله» ورفع معنوياته المنهارة، والقول بأنّ إيران ستبقى على حضورها إلى جانبه، وهو أمر ضرورة مواجهته بموقف رسمي حازم وحاسم برفض أن يكون لإيران موطئ قدم لها في لبنان، وباحترام سيادة لبنان وعدم التدخّل في شؤونه. وبين قائل في المقابل، وفق ما ورد في بعض التنحليلات، بأنّ الغاية منها إبلاغ «حزب الله» رسالة مباشرة بضرورة التجاوب، مع ما يضمَن الحفاظ على أمن واستقرار لبنان، وخصوصاً في ظلّ التطورات المتقدّمة التي بلغتها المفاوضات حول الملف النووي وقرب التوصّل إلى اتفاق. فيما يبرز في المقابل عدم مقاربة «حزب الله» لهذه الزيارة بأي موقف، بالتوازي مع تأكيد مصدر قيادي كبير في محور «الثنائي الشيعي» رداً على سؤال لـ«الجمهورية»، على «عدم المبالغة في التفسيرات، وكذلك على عدم المبالغة في الفرضيات غير الواقعية والتعاطي بعدائية مع إيران، فالزيارة وفق مُمهّداتها تندرج في سياق الجولات التي يقوم بها وزير الخارجية الإيرانية على العديد من دول المنطقة، وأمر طبيعي أن يزور لبنان، شأنه في ذلك شأن أي مسؤول من دولة صديقة، وإيران دولة صديقة وتربطها بلبنان علاقات وثيقة به ديبلوماسية وغير ديبلوماسية، وسبق لها أن أعلنت على لسان أكثر من مسؤول إيراني بأنّها إلى جانب جهوزيتها لتقديم المساعدات، تحترم سيادة لبنان، وحريصة على علاقات ممتازة معه، وعلى عدم التدخّل في شؤونه الداخلية».

وبحسب القيادي عينه، فإنّه «ربما قد فات بعض الداخل عندنا بأنّ الدول العربية، ولا سيما دول الخليج وتحديداً السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة تُقيم علاقات شهر عسل مع إيران، والزيارات متتالية في ما بينها على مستوى كبار المسؤولين، فضلاً عن أنّ ايران في مفاوضات مع الأميركيِّين في ما خصّ الاتفاق النووي، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدّث عن اتفاق وشيك، فإنّ تمّ هذا الاتفاق فارتداداته الإيجابية ستنسحب على دول المنطقة، ولبنان لن يكون معزولاً عن تلك الإيجابيات في المنطقة، بل ستنعكس عليه بما يفتح آفاقاً كبرى لمزيد من الإنفراج والاستقرار».

سياسياً، برزت أمس زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري في مقر رئاسة المجلس في عين التينة، حيث عقدا اجتماعاً لأكثر من ساعة، أعلن على إثره سلام: «الموضوع لا «تبريد ولا تسخين»، الموضوع هو ما التزمناه في البيان الوزاري حرفياً، والرئيس بري أكثر من متفهّم لهذا الشيء وهو يَعرف أنّني لم أقل كلمة خارج ما نحن متفقون عليه في البيان الوزاري، وهذا ما صوّت عليه النواب وكلّنا ملتزمون به».

مشاركة.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!