كتب الزميل جوني منير في “الجمهورية”: “على مستوى لبنان فالمؤشرات تظهر بإنجاز الجزء الأكبر من التفاهمات حول ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، وفق تصريحات الأميركيين وحتى الرئيس نبيه بري، والتي تعني أنّ هنالك شبه تفاهم قد حصل ولو بالخطوط العريضة بين واشنطن وطهران حول لبنان. وسبق لهوكشتاين ان اعلن بعضاً ممّا تم التفاهم حوله وتلاه بعد ذلك بساعات إعلان الرئيس الأميركي الكلام نفسه، وهو ما يمكن تفسيره بأنه ترجمة لمطلب ما بضرورة حصول التزام أميركي علني.
ومن المفترض أن يكون الفاتيكان في أجواء الترتيبات الجاري صوغها حول لبنان. ذلك أنه بات معلوماً أن الكرسي الرسولي يضع الملف اللبناني في طليعة الملفات التي يعمل على طرحها دوماً في العواصم المؤثرة وفي مقدمها واشنطن وباريس.
صحيح أنّ زيارة أمين سر دولة الفاتيكان المونسنيور بيترو بارولين لبيروت كانت مقررة منذ مدة طويلة ولأسباب راعوية، إلا أن كلامه تضمن عددا من الإشارات السياسية المعبرة.
والإشارة الأولى لبارولين كانت بتكراره التمسك باتفاق الطائف والمحافظة على الصيغة القائمة. وهو ما يعني رسالة في اتجاهين: الأولى في اتجاه بعض المسيحيين الذين يسعون للفدرالية أو ما شابه، والثانية في اتجاه بعض القوى الإسلامية التي تعمل لنسف الدستور المنبثق من اتفاق الطائف وإحلال صيغ جديدة.
والإشارة الثانية بدعوته الجميع مسيحيين ومسلمين الى الإنفتاخ بعضهم على بعض بلا استثناء، فالصدام المستمر سيؤدي الى خسارة شاملة وانتهاء الوطن. كما أن التمسك بالعيش المسيحي ـ الإسلامي هو نموذج للشرق الأوسط والعالم كله يجب حمايته.
والاشارة الثالثة أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون إصلاحياً ومحتضناً من بيئته المسيحية. أي أن لا يكون غريباً عن نبض الشارع المسيحي، وأن يتولى إطلاق مرحلة جديدة وأن يُعيد للمسيحيين دورهم، وهذا بمثابة خط أحمر. ذلك أن الفاتيكان شديد القلق من الإفراغ الحاصل للمواقع المسيحية الأساسية في الدولة، بدءاً من رئاسة الجمهورية وحاكمية مصرف لبنان وما كاد أن يحصل على مستوى قيادة الجيش، وهو ما يشكل خطاً أحمر يتعامل معه البعض بخفة وأنانية قاتلة. وبالتالي يجب الذهاب لانتخاب رئيس للجمهورية وأن يبادر المسيحيون في هذا الإتجاه على رغم من أن المشكلة وطنية وتقع على جميع الأطراف وليس على المسيحيين وحدهم.أما الاشارة الرابعة فهي بالدعوة الى الحَد من الإنقسامات المسيحية والتي يلعب على وترها كثيرون، مشيراً الى وجود تحامل عليهم في كثير من النواحي ولكن ليكونوا هم السبّاقون الى طرح الحلول والأفكار بعيداً عن الأنانية.
ولا ينسى بارولين الإشارة الى الفساد والضرورة الملحة لمعالجته واجراء الإصلاحات الجذرية بما يتناسب مع المرحلة، مشيراً الى دور الكنيسة في هذا المجال.صحيح أن بارولين لم يحمل معه مبادرة، إلاّ أن الأفكار والملاحظات التي طرحها لا يجب وضعها في إطار تمنيات الفاتيكان وآماله، بل في سياق التواصل الفاتيكاني ـ الأميركي الدائم والحثيث، والذي يرتكز على ديبلوماسية الفاتيكان الصامتة ولكن الفاعلة التي اشتهرت بها، وتضع لبنان والخطر على آخر وجود مسيحي في الشرق في أولوية اهتماماتها.

