في بلد يعاني من أزمات اقتصادية خانقة، ويفتقر إلى أدنى مقومات الاستقرار المالي، لا يزال القانون رقم ٧٤/٢٥ الصادر في سنة ١٩٧٤ ، بتعديلاته المتلاحقة وآخرها في ٢٠١٧ ، يمثل علامة فارقة في سياسة الامتيازات المطلقة التي يستفيد منها النواب والرؤساء السابقون وعائلاتهم.
يكرّس هذا القانون مبدأ الرواتب والمخصصات مدى الحياة للنواب السابقين، رغم انتهاء دورهم في الحياة السياسية، وكأن المنصب النيابي ليس تكليفاً لخدمة الشعب، بل امتيازاً يستمر حتى بعد مغادرة الحكم. بينما تنهار العملة الوطنية، وتزداد معدلات الفقر، تُخصص مليارات سنوياً لتعويضات وامتيازات غير مرتبطة بأي إنجازات أو استحقاقات فعلية.
لطالما قيل إن المال العام هو أمانة في يد السلطة، يُفترض أن يُدار بحكمة وعدالة لخدمة الصالح العام. لكن في لبنان، يبدو أن هذه الأمانة تحولت إلى موردٍ يُستهلك لصالح فئة محددة، على حساب الدولة والمجتمع.
كيف يُعقل أن يحصل النواب السابقون على مخصصات مدى الحياة، في وقت يعاني فيه المواطن من تراجع الحد الأدنى للأجور، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وحجز الودائع في المصارف ؟ كيف يُسمح باستمرار هذا النزيف المالي في ظل عجز الموازنة وتراجع النمو الاقتصادي وتجميد المستحقات لأساتذة الجامعة اللبنانية وغيرهم في القطاع العام؟
في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية، يُعتبر العمل النيابي خدمة عامة تستوجب مسؤولية ومحاسبة، وليس امتيازاً أبدياً. بينما في لبنان، يُمنح النائب راتباً حتى بعد مغادرته منصبه، وكأن السلطة تضمن لنفسها استمرارية الرفاهية دون حساب أو مساءلة.
قال أفلاطون “العدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه، وعدم السماح للأقوياء باستغلال موارد الدولة لصالحهم.”
في ظل غياب الإصلاحات وانهيار الاقتصاد اللبناني، تزداد التساؤلات حول جدوى استمرار هذه المخصصات. فمخصصات النواب السابقين ليست مجرد عبء مالي ، بل انعكاس لفلسفة سياسية تضع الامتيازات فوق المصلحة العامة.
الشعب الذي يكدّ يومياً لتأمين لقمة العيش، يرى بأمّ عينيه كيف يتم تبديد المال العام على امتيازات غير مبررة، مما يعزز الشعور بعدم المساواة وانعدام العدالة الاجتماعية. فكيف يُطلب من المواطن التضحية والصبر وزيادة الضرائب عليه، بينما تتكدس الأموال في حسابات من تركوا مناصبهم منذ سنوات ؟
كما قال أرسطو، “إساءة استخدام المال العام تضعف الدولة وتؤدي إلى فساد الحكم.”
إن استمرار العمل بهذا القانون دون إعادة تقييم جدي وعادل يزيد من فقدان الثقة بالمؤسسات التشريعية ويعزز الشعور بأن المال العام لا يُدار بما يخدم الصالح العام، بل يُستهلك لصالح فئة محددة على حساب المواطن.
العدالة المالية ليست مجرد رفاهية تشريعية، بل ضرورة وطنية لضمان استقرار الدولة وحماية حقوق الأجيال القادمة.
وأختم بما قال جون لوك “المال العام ليس ملكاً للحكام، بل هو أمانة يجب أن تُصرف بما يخدم الصالح العام.”
لمن أشكو يا الله ،،،،،،
آرام ت.


