المواطنة ليست مجرد هوية قانونية أو بطاقة تعريف، بل هي علاقة وجودية بين الفرد والدولة، تقوم على المشاركة في القرار، وتحمل المسؤولية المشتركة في بناء المصير. غير أن التاريخ السياسي الحديث يكشف لنا عن مفارقة مؤلمة: الشعوب كثيراً ما تُزج في حروب وصراعات لم تخترها، وتُحمّلً أعباءً لم تصنعها، وكأنها مجرد أدوات في يد قلة متسلطة.
في هذا السياق قال جان جاك روسو في “السيادة لا يمكن أن تُجزأ، ولا يمكن أن تُنقل، فهي ملك للشعب وحده.” ومع ذلك، نجد أن القرار السياسي يُختطف من الشعب، ويُمارس باسمه دون مشاركته الحقيقية. هنا يظهر التناقض بين مفهوم المواطنة كحق في تقرير المصير، وبين الواقع الذي يجعل المواطن مجرد متلقٍ لنتائج قرارات لم يستشر فيها.
أما من الناحية الاجتماعية، التضامن مع الإخوة في الوطن واجب إنساني، لكنه لا يعني القبول الأعمى بقراراتهم. كما قال أنطونيو غرامشي: “الأزمة تكمن في أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد.” فالأزمات المستمرة منذ عقود هي نتيجة غياب تجديد القرار السياسي، وغياب مشاركة الشعب في صياغة المستقبل وخاصة في بلد مثل لبنان الذي يصل الاقتراع دون ٤٥% عند اختيار وكلاء الشعب في مجلس النيابي. بالإضافة المجتمع الذي يُفتح فيه البيت لحماية من صنعوا الأزمة، دون مساءلة أو إصلاح، هو مجتمع محكوم بتكرار المأساة.
أما العدالة هي جوهر كل رسالة إنسانية، وقد قال الإمام علي بن أبي طالب: “العدل أساس الملك.” فإذا غاب العدل، واستُبدل بالقرارات المفروضة من الخارج أو من قلة متسلطة، فإن الدولة تفقد مشروعيتها، وتتحول إلى مصدر شقاء بدل أن تكون مصدر أمن. العقيدة السياسية والأخلاقية تفرض أن تكون القرارات الكبرى، كالحرب والسلم، نابعة من إرادة جماعية، لا من مصالح ضيقة.
وأضاف أرسطو أن الدولة هي كيان يسعى إلى تحقيق “الخير الأسمى”، أي حياة فاضلة لمواطنيها. فإذا تحولت الدولة إلى أداة حرب وصراع، فإنها تنقلب على غايتها الأساسية. هنا يظهر السؤال الفلسفي العميق: هل الدولة تخدم الإنسان، أم أن الإنسان أصبح خادماً لقرارات الدولة داخلها دويلة؟؟؟؟ وهل يمكن الحديث عن مواطنة حقيقية في ظل غياب المشاركة الشعبية؟؟؟؟
إن استمرار الأزمات لعقود طويلة يعكس خللاً بنيوياً في العلاقة بين المواطن والدولة. المواطنة الحقة لا تُختزل في التضامن الإنساني فقط، بل تتجسد في المشاركة الفعلية في القرار السياسي بدءً من صناديق الأقتراع، وفي مساءلة من يفرضون الحروب والظروف القاسية. فإن العدالة، المشاركة، والحرية هي الأعمدة الثلاثة التي لا يمكن لأي دولة أن تستقيم بدونها. وإلى أن تُستعاد هذه الأعمدة، ستظل الأيام صعبة، والحياة مليئة بالسوء، على الجميع بلا استثناء.
في الختام الى متى؟؟؟
آرام ت.
٦-٣-٢٠٢٦

