كتبت الزميلة غادة حلاوي في “المدن”: كلما اقترب موعد جلسة المفاوضات الجديدة مع لبنان، رفعت إسرائيل منسوب عدوانها. تفجيرات وقصف مستمران، وتوغّل في أراضي زوطر الغربية، التي يُفترض أنها باتت تحت سيطرة الجيش اللبناني بعدما صُنّفت ضمن المناطق التجريبية. كل ما يجري في زوطر الغربية يعكس أزمة سيادة لبنانية واضحة، كما يعكس تماهياً مع شروط إسرائيلية تصل إلى حد الإصرار على مرافقة الجيش للأهالي إلى عتبة منازلهم بعد تفتيشهم، ثم مرافقتهم لدى المغادرة. إنها عودة مجبولة بالذل، تحرج الجيش أمام الأهالي، وتظهر وهن الدولة وسوء رهاناتها، وكيف وُضع الجيش تحت رقابة إسرائيل لمنحه شهادة حسن أداء، بينما تقوم هي بالانقلاب على الاتفاق، ولا تنصت لمطالب واشنطن حيال لبنان، بما ينذر بأزمة أو خلاف أميركي – إسرائيلي بشأن تعاطي إسرائيل مع اتفاق الإطار.
وأضافت حلاوي: “جاء بيان الجيش اللبناني بشأن الانتهاكات الإسرائيلية بمثابة فضح للتعاطي الإسرائيلي المزيّف مع تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ضمن اتفاق الإطار. فهو يفنّد الخروقات الإسرائيلية والعدوان المتواصل، ويرد على التهم الموجّهة إليه بالتقصير، والتشكيك في قيامه بدوره في المناطق التجريبية، والتساهل في تنفيذ مهامه جنوباً. وبينما يؤكد الجيش التزامه بتطبيق ما اتُّفق عليه، فإنه يتهم إسرائيل بالانقلاب على الاتفاق والاستمرار في عدوانها.
ويحاكي الجيش فشل تجربة زوطر الغربية، بدليل التوغّل الإسرائيلي مجدداً في أراضيها يوم أمس، ويرفع المسؤولية عنه تجاه ما قد يظهر لاحقاً، وهو يدرك أن إسرائيل تماطل، بدليل ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن زوطر الغربية لم تكن محتلة. كما يعكس بيان الجيش التشكيك الأميركي بدور قائده، بالتزامن مع البحث القائم مع القيادة المركزية الأميركية (السنتكوم) بشأن المساعدات المخصصة للجيش، من زيادة الرواتب، وتوفير المعدات وقطع الغيار، وما يلزم من إعادة تأهيل.
لكن الأخطر يبقى في ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو أمام الكابينت، من أنه سيرفض مطالب واشنطن بتنفيذ انسحابات من غزة وسوريا ولبنان. وحول دور الجيش اللبناني قال: “سنرى ما ستؤول إليه الأمور بشأن قدرة الجيش اللبناني على السيطرة على المناطق التي نطهرها”.
لم يقل نتنياهو جديداً، فكل ما قاله كان متوقعاً، سواء لناحية الاستمرار في العدوان حتى في المناطق المحاذية لانتشار الجيش، أو في المناطق التجريبية، وذلك بفضل حرية الحركة الممنوحة لإسرائيل بموجب اتفاق الإطار. ويجري كل ذلك بينما يستعد لبنان لجولة مفاوضات سابعة في روما، يُفترض حسب مصادر المفاوضين أن تشهد تقييماً للمرحلة التجريبية الأولى، التي استبقها الجيش برفع تقرير يتحدث فيه عن الانتهاكات، كما سيصار إلى تحديد المرحلة الثانية بعد أولى المراحل التجريبية.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أن نتنياهو ليس بوارد التراجع أو منح لبنان خطوات إضافية، بما يهدد اتفاق الإطار، ويقوّض نتائج زيارة واشنطن وينسف إيجابياتها. كما أن كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري، حين قال إنه يدعم مسار الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في المفاوضات، فتح منحى جديداً، بما يؤكد أن الثنائي بات يعتبر أن لبنان في مأزق حقيقي، وأنه وإن كان يراهن على مسار إسلام آباد، فهو في الوقت نفسه لا يرفض أي نتيجة إيجابية قد تخرج من مسار واشنطن، وإن كان يستبعد تحققها.
يتماهى بري مع التطلعات السعودية الداعمة لاتفاق الإطار، ويتجنب الدخول في حالة صدام مع الأميركيين والسعوديين، وهو يدرك ضمناً أن إسرائيل لن تحقق رغبة لبنان بالانسحاب ووقف العدوان. وقد كان كلام نتنياهو واضحاً للدولة اللبنانية التي تراهن على ضغوط واشنطن على إسرائيل.
وخلال المفاوضات، لم يكن رئيس الفريق اللبناني، سيمون كرم، راضياً عن مضمون اتفاق الإطار، ووصفه بأنه “اتفاق الضرورة”، بسبب اختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، ونواياها غير الصافية، وسعيها إلى احتلال طويل الأمد في لبنان. وبينما يرى الثنائي أن اتفاق الإطار سيسقط حكماً بفعل التخلف الإسرائيلي عن تطبيقه، ويعتبر أن زيارة عون انتهت قبل أن تبدأ، لأن نتنياهو لن يقدم شيئاً، ولن يكون بمقدور الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضغط عليه، في ظل اقتراب موعد انتخابات الكنيست، فإن الرهان اللبناني اتجه إلى مكان آخر، وهو الرهان مجدداً على إضعاف إيران بفعل تجدد الحرب الأميركية عليها، وعلى أن يؤدي انهيارها إلى سقوط أذرعها في المنطقة، وفي مقدمها حزب الله.
وأمام زواره، يُنقل عن رئيس الجمهورية جوزاف عون قوله إن فصل المسارات بين لبنان وإيران كان قراراً صائباً أنقذ البلد، وجنّبه جولات حرب جديدة. وتنقل مصادر دبلوماسية عن الموفد الأميركي توم باراك قوله إن السعودية لا تؤيد الاتفاق الإيراني – الأميركي، لكنها في المقابل ليست مع العودة إلى الحرب، نظراً إلى خطورة نتائجها على دول الخليج. إلا أنها لا تمانع استمرار الضربات المتقطعة التي قد تؤدي إلى إسقاط النظام في إيران، ما سينعكس حكماً على سقوط أذرعه في المنطقة، ومنها حزب الله.
وختمت حلاوي مقالها بالقول: كما يقول باراك إن موقف السعودية لم يرضِ ترامب. وتنقل المصادر نفسها خشية سعودية مما تم الاتفاق عليه في قمة حلف الناتو بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لجهة أن ترث تركيا النفوذ الإيراني في لبنان وتحل محله. من واشنطن إلى تركيا فسوريا والسعودية، يشكّل لبنان نقطة تقاطع تُبحث فيها آفاق الحل، فيما تتداول الأوساط الأميركية أكثر من سيناريو، يقوم أبرزها على إسناد إدارة الحل إلى دولة خارجية. وقد يشكّل ذلك بمثابة تلويح لإسرائيل في ظل رفضها الانسحاب. لكن، في جميع الأحوال، يبقى المشهد غير مطمئن، سواء على المستوى الإسرائيلي أو لناحية مضمون ما يُبحث أميركياً

