ليس الخلاف في لبنان على مبدأ العفو، بل على مفهوم العدالة الذي يجب أن يحكمه.
ففي الأيام الأخيرة، شهدنا ارتفاعاً في وتيرة الخطاب الشعبوي تحت قبة البرلمان خلال مناقشة اقتراحات تتعلق بالعفو. ولا خلاف على أن مجلس النواب هو المكان الدستوري الطبيعي لإقرار قوانين العفو العام، لكن المشكلة لم تكن في المؤسسة، بل في طريقة إدارة النقاش. فقد غلبت الشخصنة، وتبادل الاتهامات، والمزايدات السياسية والطائفية على الحوار، حتى انتهت الجلسة بفقدان النصاب، لتضيع فرصة نقاش قضية تمس حقوق الإنسان وسيادة القانون.
من الناحية الدستورية، لا يُعد العفو العام أمراً استثنائياً في النظام اللبناني، بل هو أداة تشريعية استخدمها مجلس النواب مراراً منذ الاستقلال. فقد أُقر قانون العفو بعد أحداث عام 1958، ثم قانون عام 1969، ثم قانون العفو الشهير رقم 84 لعام 1991 بعد انتهاء الحرب الأهلية، ولاحقاً قانون العفو رقم 677 لعام 2005، إضافة إلى القانون رقم 678 لعام 2005 الذي منح عفواً خاصاً لسمير جعجع. وهذا يؤكد أن العفو ليس خروجاً عن الدستور، وإنما وسيلة تشريعية تلجأ إليها الدول في ظروف استثنائية لتحقيق السلم الأهلي أو معالجة اختلالات العدالة.
لكن السؤال الحقيقي ليس هل يجوز إصدار قانون عفو؟ بل أي عفو نريد؟
لقد وصف أرسطو العدالة بأنها «إعطاء كل ذي حق حقه»، ورأى أن المساواة لا تعني معاملة الناس جميعاً بالطريقة نفسها، بل تطبيق معيار واحد على الجميع. ومن هنا، فإن أي قانون يستثني أو يميّز بين أشخاص متساوين في المراكز القانونية، يفقد أحد أهم مقومات العدالة.
أما بول ريكور، فقد ميّز بين العفو الحقيقي والعفو السياسي، معتبراً أن العفو لا يكتسب مشروعيته إلا إذا جاء امتداداً للعدالة، لا بديلاً عنها. فالعفو الذي يطمس الحقيقة أو يتجاوز حقوق الضحايا ليس مصالحة، بل تسوية سياسية مؤقتة.
من هذا المنطلق، فإن الاعتراض ليس على مبدأ معالجة ملف الموقوفين الإسلاميين أو أي ملف آخر يثار بشأنه ادعاء بوقوع ظلم، بل على الأسلوب الذي طُرح به الحل. فإذا كان الأساس الذي يستند إليه اقتراح العفو هو وجود شكوك جدية حول نزاهة بعض المحاكمات التي جرت أمام المحكمة العسكرية في مراحل سابقة، نتيجة ظروف سياسية أو تدخلات في القضاء، فإن العدالة تقتضي معالجة أصل المشكلة، لا الاكتفاء بنتيجتها.
وكان الأجدر بالمشرّع أن يقر قانوناً يمنح محكمة التمييز أو هيئة قضائية مستقلة صلاحية إعادة النظر في جميع الأحكام والملفات التي يثبت احتمال تأثرها بتلك الظروف، سواء تعلقت بالموقوفين الإسلاميين أو بغيرهم، بحيث يخضع الجميع لمعيار قانوني واحد. فهذا يحقق العدالة، ويحفظ هيبة القضاء، ويعيد الثقة بالمؤسسات.
أما أن يُختزل الأمر بعفو يطال فئة دون أخرى، بينما قد يكون هناك آخرون تعرضوا للظروف القضائية ذاتها، فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً، أين المساواة أمام القانون؟ وأين العدالة التي يفترض أن تكون مجردة من الهوية والانتماء؟
لقد قال مونتسكيو: «لا حرية إذا لم تكن سلطة القضاء منفصلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية». ومعنى ذلك أن علاج أخطاء القضاء لا يكون باستبدالها بقرارات سياسية انتقائية، وإنما بإصلاح القضاء نفسه وتمكينه من تصحيح أخطائه وفق الأصول القانونية.
إن العدالة ليست انتصاراً لفئة على أخرى، ولا هي استجابة لضغط الشارع أو لموازين السياسة. العدالة هي أن يكون القانون واحداً للجميع، وأن تكون وسائل الإنصاف متاحة لكل من وقع عليه ظلم، بصرف النظر عن اسمه أو طائفته أو انتمائه.
ولهذا، فإن الاعتراض على الصيغة المطروحة لا يعني رفض العفو من حيث المبدأ، بل رفض الانتقائية في تطبيقه. فالعفو الذي يقوم على معايير عامة وموضوعية قد يكون خطوة نحو المصالحة الوطنية، أما العفو الذي يُفصّل على قياس ملفات محددة، فإنه لا يطوي صفحة الماضي، بل يفتح أبواباً جديدة للشعور بالغبن وعدم المساواة.
إن دولة القانون لا تُبنى بالعفو وحده، بل تُبنى عندما يكون العفو نفسه خاضعاً للقانون والعدالة. فالقوانين التي تحقق الإنصاف تعيش، أما القوانين التي تقوم على الاستنساب فتظل موضع انقسام، مهما كانت النوايا التي رافقتها.
وفي الختام، فإن مسؤولية المشرّع لا تقتصر على سنّ القوانين، بل تمتد إلى ترسيخ قيم العدالة والمساواة وسيادة القانون. فالمجتمع لا يستقيم بالاستنسابية، ولا تُبنى الثقة بالمؤسسات بالشعبوية، وإنما بتشريعات عامة ومجردة تُطبق على الجميع دون تمييز. فإذا كان لا بد من العفو، فليكن عفواً يستند إلى العدالة، لا إلى الموازين السياسية، ويُعيد الحقوق إلى كل من ظُلِم، لا إلى فئة دون أخرى. فحين تكون العدالة هي المعيار، يصبح العفو مدخلاً للمصالحة، أما حين تحكمه الانتقائية، فإنه يتحول إلى سبب جديد للانقسام.
نطلب العدالة والمساواة.
بقلم آرام ت.


