التطور التاريخي للعملة الإلكترونية: نطاقها ومزاياها ومخاطرها - المحامي جورج النجار

الثلاثاء , 17 تشرين الثاني 2020
+ -

العملة الرقمية Digital currency وتسمى أيضاً العملة المشفرة أو العملة الإفتراضية أو العملة او النقود الإلكترونية، هي افتراضية وعبارة عن نقود غير موجودة بأشكال فيزيائية ومادية، بل إنها افتراضية وتتواجد في العالم الافتراضي.

أولاً: الغاية من العملات الرقمية
ظهرت هذه العملات وهي في ازدياد يوماً بعد يوم مع إطلاق المزيد منها بتسميات مختلفة و'بيتكوين' هي الاشهر، هذه النقود وُجدت لهدف واضح ألا وهو استخدامها في الدفع الإلكتروني عبر منصة الإنترنت والمعاملات التجارية الالكترونية، وكذلك لنقل الأموال وتحويلها بسرعة من أي بلد لآخر من دون حدود جغرافية. ومع هذه العملات أصبحت عملية تحويل مليارات الدولارات سهلة للغاية وتتم في دقائق مع خصوصية عالية حيث لا يتم الكشف عن أطراف الصفقة، وجاءت لتستخدم في شراء السلع والمنتجات والبيع وتلقي العائدات والأرباح على أشكال عملات رقمية قابلة لصرفها إلى الدولار والعملات النقدية. والنقود الالكترونية لديها مراكز بورصة خاصة للتداول موزعة حول العالم، وهي التي تتيح الاستثمارات المربحة شراء كميات منها وبيعها عندما ترتفع قيمتها والفارق بين سعر الشراء والبيع هو الربح، وبالطبع الخسارة ممكنة.

ثانياً: تاريخ النقود الرقمية والالكترونية
تاريخ هذا القطاع طويل وليس وليد الأمس أو منذ سنوات قليلة كما يُعتقد،  ففي العام ١٩٧٧ ظهرت خوارزمية RSA وهي من اختراع الثلاثي ليونارد أدليمان وآدي شامير ورونالد ريفست في معهد ماساتشوستس للتقنية والتي أعلن عنها حينها وتم نشر ورقة اختراعها، وهي في اختصارها تتكون من 3 أحرف هي الأحرف الأولى لأسمائهم، وقد شكلت هذه الخوارزمية الاسس الاولى لهذه العملات.
ففي العام ١٩٨٧ اخترع عالم الرياضيات ديفيد تشوم ال:' ecash '  وتعتبر اول نقود رقمية واعتبرت عملة مشفرة إلكترونية، وعمل تشوم على جمع الأموال لتمويل فكرته ونجح بالطبع في إنشاء شركة DigiCash التي تدير هذه العملة الرقمية المركزية، وعمل على التعاقد مع التجار والشركات من أجل قبول عملته واستخدامها في التعامل الإلكتروني، إلا أن الحظ لم يحالف مشروعه وذلك بسبب تأخر التجارة الإلكترونية وعدم انتشارها كثيراً في ذلك الوقت، وقد فشل المشروع لأنه لم يتمكن من إقناع التجار والشركات العالمية باستخدام عملته.
ففي العام ١٩٩٦ تم إطلاق الذهب الإلكتروني E-gold” ' وهو عبارة عن أول موقع لتبادل الذهب وتداوله، ويتطلب فتح حساب عليه واستخدامه في شراء الذهب وبيعه، وللأسف ورغم أنه وصل عدد المشتركين ٣.٥ مليون مشترك إلا انه أغلق بسبب شبهات بأنه استخدم في غسيل الاموال. وفي العام ١٩٩٧ اخترع آدم باك نظام للحد من البريد الإلكتروني المزعج ويدعى Hashcash وهو الذي تم دمجه أيضا في خوارزمية وشيفرة العملات الرقمية. وفي العام ١٩٩٨ تمكن خريج علوم الكمبيوتر وي داي من إنشاء مخطط للعملة الإلكترونية شاركها عبر قائمته البريدية وهي التي شكلت النواة الأولى للعملات الرقمية الموجودة حالياً.
وفي العام ١٩٩٩تم إطلاق أول بنك إلكتروني المعروف ب:' باي بال' الذي يساعد في تحويل الأموال عبر الإنترنت، وبسبب اقبال الناس عليه تعزز نجاحه. وفي العام ٢٠٠٣ ظهر متصفح' تورTor ' وشكلت امكانية تصفح المواقع المحجوبة وامكانية اخفاء الهوية، دعماً غير مباشر للعملات المشفرة والتشفير وخصوصية التحويلات المالية والصفقات التجارية خارج الحدود الجغرافية.

أيضاً في العام ٢٠٠٨ وفي ظل الأزمة العالمية المالية، نشر شخص مجهول يدعى ساتوشي ناكاموتو ورقة يتحدث فيها عن طرق تحويل الأموال بدون مراقبة الحكومات والسلطات المالية، وقد تم تسجيل موقع bitcoin.org  كنطاق أول تعامل عالمي حقيقي عندما تم دفع 10,000 بيتكوين مقابل بيتزا على منتدى بيتكوين. عند ذلك الوقت، سعر الصرف لشراء البيتزا كان حوالي 25 دولار أمريكي.
وفي العام ٢٠١٤ كانت بداية الاكتشاف للهوية عندما قالت مجلة 'نيوزويك' الأميركية إنها اكتشفت المخترع، وأفادت بأن المهندس المبرمج دوريان ساتوشي ناكاموتو المتقاعد والمقيم في ضاحية من لوس أنجلوس اعترف لها بأنه مخترع العملة الافتراضية، لكنه أكد أنه لم تعد له صلة بالموضوع، وأنه لا يمكن أن يعطي معلومات أكثر، 'فالأمر أصبح بيد أشخاص آخرين'.

 في العام ٢٠١١ وصل سعر بيتكوين إلى 1 دولار أي أنها تساوت معها في القيمة وهذا حسب تداولات بورصة MTGOX وبعدها ظلت تتزايد قيمة هذه العملة. بعد ذلك بدأت تظهر عملات رقمية جديدة منافسة للعملة الأصلية ومبنية على البلوك تشين مع قدوم كل واحدة منها بقنية بلوك تشين مخصصة ومطورة ومعدلة لصالحها، وضمن هذه الأسماء نجد الريبل XRP التي تأسست عام ٢٠١٢ ثم لايتكوين و الإيثريوم هذه الأخيرة تأسست عام ٢٠١٥ حتى أصبح عددها أكثر من ١٥١٩ عملة رقمية .
 تعدت القيمة السوقية للعملات الرقمية ٨٠٠ مليار دولار أمريكي بداية هذه السنة فيما يقال إنه بعد تجاوز أزمة التقنين الحالية ينتظر أن تقدر قيمتها ببضعة تريليونات دولار وقد تتجاوز مستقبلا قيمتها البورصات العالمية. وعلى عكس العملات الورقية والعملات المعدنية، العملات الرقمية هي عملات غير ملموسة!!! معنى هذا أن اي عملة غير ملموسة ولا يستطيع الفرد أن يشعر بها هي عملة إلكترونية، وهذا معناه أن النقود التي في البطاقات الإئتمانية، و النقود التي يتم إرسالها واستلامها عبر البنوك الإلكترونية تعتبر نظام العملات إلكترونية، ولكن إذا ما تم لمسها والشعور بها أصبحت عملات عادية كما هو متعارف عليه.
 
كيف تعمل العملات الرقمية؟
العملات الرقمية وتحديداً البيتكوين هي عملات لا مركزية، اي لا يمكن لحكومة أو مؤسسة ما أن تتحكم في إنتاج المزيد منها كسائر العملات المحلية والدولية لاي دولة. ويتم التحكم في العملات الرقمية عن طريق تكنولوجيا تٌدعي سلسلة الكتل(Blockchain)،

ثالثا'- ايجابيات وسلبيات نظام العملات الالكترونية:
١-الايجابيات
•    السيولة: تتميز بسيولة فريدة مقارنة بالعملات الأخرى إذ تتوفر للتداول بشكل واسع نظير الدولار واليورو وغيرها من العملات النقدية الأخرى.
•    القبول والتبني: مئات التجار والمؤسسات عبر العالم يقرون بها ويعتمدونها كأداة للدفع.
•    سهولة التعامل: تعمل بطريقة لامركزية الأمر الذي يجعل التحويل سهل للغاية إذ يكون بين طرفين اثنين فقط لا غير مرسل مستقبل.
•    رسوم منخفضة: من بين المميزات والنقاط الايجابية أن رسوم التحويل والمعاملات قليلة مقارنة بحجم المبالغ المرسلة إذ لا تتجاوز المعاملة بضع سنتات في أغلب الحالات.
•    الخصوصية وعدم الكشف عن الهوية: أحد الركائز الأساسية التي تميز عن العملات النقدية أنها
توفر خصوصية وحماية لهوية صاحبها، إذ لا تكشف المعاملات عن اسم المرسل ومكان تواجده وغيرها من المعلومات الشخصية.
•    مستقلة عن الحكومات: من بين نقاط القوة أنها غير تابعة لأي كيان حكومي أو أي منظمة حكومية إذ أنها مستقلة عن أي تأثير سياسي.
•    الندرة: في العالم ككل لا يوجد سوى 21 مليون وحدة بيتكوين، 17.8 مليون منها تم تعدينها والتي تتداول في الأسواق ككل
ما يجعلها ثمينة ونادرة.

 ٢-السلبيات
•    بطء معالجة المعاملات:
أحد أهم المشاكل والعيوب التي تميز ببطء معالجة المعاملة، إذ يمكن إجراء من 6-7 معاملات في الثانية بينما شبكة دفع مركزية مثل الفيزا يمكنها انجاز 2000 معاملة في الثانية.
•    كثرة استعمالها في الجانب الاجرامي:
أحد التحديات التي تواجه تبني عملة الالكترونية بشكل واسع واعتمادها من طرف الحكومات طبيعتها التي تمكن المجرمين من استغلالها بأريحية دون الكشف عن هويتهم.
•    تقلب القيمة: سعر وقيمة العملة الالكترونية (البيتكوين مثلا) متقلبة للغاية حيث كانت قيمتها العام الماضي أقل بكثير مما هي عليه اليوم.
•    عدم إمكانية استرداد المفاتيح الخاصة:
في حالة فقدان مفتاح محفظة العملة الالكترةنية (البيتكوين مثلا') لن تستطيع تحريك أموالك ولا توجد أي طريقة لإمكانية استعادتها. ففي العام ٢٠١١، قام تشارلي لي المهندس السابق لدى شركة 'غوغل' بإختراع عملة إسمها لتكوين LTC) ) وهي ظهرت كبديل للبيتكوين، ولكنها لم تستطع زحزحة البيتكوين من مكانه ولا يوجد عملة أخرى استطاعت تفعل هذا، بالرغم من أنها متقاربة جدا مع البيتكوين.
ففي العام ٢٠١٣، ظهرت عملة من أشهر العملات الرقمية وهي الريبل (Ripple ) حيث تحتل المرتبة الثالثة في عالم العملات الرقمية من حيث السيولة، وتختلف عن البيتكوين، حيث أن الثانية تريد أن تستبدل نظام المصرفي التقليدي، أما الأولى لا تريد إلغاءه بل تريد دعمه!
وفي العام ٢٠١٥، قام المبرمج الروسي فيتاليك بوتيرين بإختراع ثاني أشهر وأفضل العملات الرقمية على الإطلاق، عملة الإيثريوم(Ethereum )

رابعا' -مخاطر العملات الرقمية وعيوبها
•    عدم وجود جهة رقابية يمكن الرجوع لها للاحتكام في حالات النصب والغش، المستخدم مسؤول بشكل مطلق عن امواله الرقمية.
•    عدم وجود بيانات شخصية خاصة بمستخدمي العملة، مما جعلها وسيلة للتداولات المشبوهة مثل تجارة السلاح والمخدرات.
•    لا يمكن للدولة تقاضي ضرائب علي العمليات التجارية التي تتم من خلال العملات الرقمية.

من المفترض ان الضرائب واحدة من اهم مصادر الدخل لكل دولة، فمنها يتم توفير خدمات صحية وتعليمية للمواطنين.
من ثم العملات الرقمية من الممكن ان تضر بإقتصاد الدول علي المدي البعيد.
•    التذبذب في سعر العملات الرقمية يسبب قلق للكثيرين، ويجعلها اقرب لسوق المضاربات منها كعملة بديلة.
•    لا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل في الوقت الحالي.

أخيراً، هناك مليارات البشر حول العالم لا يجيدون استخدام الانترنت والتعامل مع التكنولوجيا، ومن ناحية اخرى هناك العدديد ممن لديهم القدرة علي استخدام العملات الرقمية، ولكنهم يشعرون بالريبة والشك تجاهها، فالتطور في العملة والمعاملات الإلكترونية وتقنيات التشفير القوية المستخدمة في المعاملات التجارية المشفرة هي ضمانة ضد الاحتيال والتلاعب وضمانة لخصوصية المتعاملين.