لهذه الأسباب أنا محبط: قراءة في يوميات الأزمة... د.فايز عراجي

الثلاثاء , 07 أيلول 2021
+ -

محبط؟ نعم محبط! وهل أنا لست بانساناً كي لا أُحبط؟
 
إنها الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل. التيار الكهربائي مقطوع كالعادة. استيقظت على وقع 'خبطة' باب المطبخ. إنها رانيا استفاقت لشرب الماء فاصطدمت بباب المطبخ المقفل بسبب الظلام الحالك. 'سليمة سليمة'. لقد أغلق جاد باب المطبخ قبل دخوله الى فراشه ولم يعلمنا بذلك. شربت رانيا وعادت الى فراشها. إستيقظت. طار النعاس من جفوني بالرغم من أنني غفوت متأخراً.

لم يمض على سباتي أكثر من ساعتين ونصف. كان نومي خفيف الليلة. لقد أصرّ جاد أن نحضّر عشاء ليلة أمس فنزلنا عند طلبه. عشاء متأخر 'وخود على نوم ساعتها'. عاد السكون الى المنزل. وانا قررت أن أبتدئ نهاري. لا أستطيع النهوض من الفراش في هذا الوقت كي لا أتسبب بنهوض رانيا وجاد. استلّيت الهاتف وبدأت كعادتي تصفح الجرايد الصباحية. أقرأ المقالات وأرسلها الى الأصدقاء كلٌ حسب اهتماماته. عناوين الصحف كلها عن تشكيل الحكومة المتعثرة. اضافة الى ملفات عن الحالة الاقتصادية الاجتماعية في البلد. احدى الصحف المحلية أعدت ملفاً عن النقل والمحروقات وتأثيرها على العجلة الاقتصادية والقطاع التربوي. أرسلتها إلى جميل أبو نضال (اسم مستعار). ' .....(توت) ما حدا يتعلم'. '.....(توت) ما حدا يركب سيارة'. تعوّدت عليه.

هو الناقم على كل شيء هذه الأيام. حتى على الظواهر الطبيعية يمكن. جميل هذا صديق منذ فترة وجيزة (٧ سنوات). لكنه أصبح من اعز الأصدقاء ومن أكثرهم تفهماً لعقليتي ونمط تفكيري. كأننا نعرف بعض منذ خمسين سنة. في العقد السابع من العمر. غزا الشيب رأسه ولحيته. كان له باع طويل خلال الأربعين سنة الماضية في الحياة السياسية اللبنانية. انخرط فيها حتى أذنيه. وكان له أدوار مؤثرة في كثير من الأحيان. لكنه بقي على مبادئه فتقاعد منذ سنوات حتى بلا منزل يأويه. يضب امتعته وفرشه كل ٣ سنوات وينتقل من إيجار الى إيجار. علماً انه تبوأ مناصب قيادية حسّاسة جداً في القطاع العام لكنه ظلّ 'مستور'.

هذا خياره. خيار لم يندم عليه بالرغم من كل صعوباته التقاعدية حالياً. وأظن لن يندم. بقي ناشطاً حتى السنة الماضية في الشأن العام. لا يترك مظاهرة مطلبية الا ويكون فيها. يضع خبرته الطويلة في تصرف أي مجموعة أو جماعة تتطلع للتغيير. جرب مؤخراً هو ومجموعة رفاق له احداث انتفاضة داخل المؤسسة السياسية التي كان ينتمي اليها يوماً. لكنه فشل. عمل بصدق ولم يكن يطلب لا مركزاً ولا عينه على قيادة ابداً. كل همّه ايجاد اطار للشباب التغييريين علّهم ينجحون حيث فشل هو وجيله (كما يقول). لكنه اكتشف ان لا الرفاق رفاق ولا الشباب التغييريين 'تغييريين'. 'كله بدو مقعد لطيزه'. بهذه العبارات يختصر تجربته الأخيرة والنهائية كما يقول دائماً. 'خلص. بزيادة هلقد'.
 
اتابع تصفّح الصحف. إحدى الدراسات الاقتصادية المنشورة منذ أيام تلفت انتباهي. أغوص في أرقامها وتحاليلها. مقنعة. لكنها مخيفة في آن معاً. أيقظت الأرقام والتحاليل إحباطي. انا الذي يتهمه كل محيطه بالسوداوية هذه الأيام. ويدعوه الى الصبر والصمود والتفاؤل. لا اعرف من أين آتي بهذا التفاؤل. كتبت مرةً على حائطي 'الفقر مؤلم. المرض مؤلم. لكن الأكثر ايلاماً هو الوعي'. أعاود مشاركة بعض المقالات مع الأصدقاء الكثر. غالبيتهم أونلاين. مع أن الظلام ما زال دامساً. ليس فقط جميل وأنا ضربنا الأرق. هذه حال السواد الأعظم هذه الأيام. إما ما زالوا مستقيظين في هذه الساعة او أنهم 'ناموا وقاموا'. حتى المتفائلين منهم. شردت قليلاً. سحبتني احدى نقاشاتي البارحة على الواتس آب من إستكمال ما اقرأ. نقاشي البارحة مع أبو جهاد.
 
أبو جهاد رفيق آخر عزيز. صحافي وسياسي شاب. ما زال الحماس والاندفاع يسري في عروقه لدرجة الجنون أحيانا ً. هو الذي كاد أكثر من مرة ان يدفع حياته ثمناً لقناعاته. ومازال على هذا المنوال. في مقابل كل هذا الاندفاع والحرفية في عمله 'خبزة وزيتونة'. أذكر أنه، وفي اكثر من مرة، يطلب إنهاء الاتصال بيننا لأن سيارته قطعته في منتصف الطريق. سيارة لا تخرج من ورشة التصليح، الا وتعود إليها بعد أيام. لو طاوع نزعة الشرّ وباع كلماته يميناً ويساراً كان أنزل عن كاهله إحدى همومه وركب 'آخر موديل'. قراؤه كثر لذلك كان يمكن أن يكون سعره ليس بقليل لو أراد البيع والشراء. تعرّفت إليه مع بداية أزمة كورونا. عندما تواصل معي لمناقشة الشأن التنموي الريفي الزراعي. ومنذ ذلك الحين لم ننقطع ابداً. بالرغم من أننا لا نتطابق دائماً في المواقف. مر زمن ولم نلتقي . لكننا نستعيض عن اللقاء بنقاش يومي. خلال نقاشنا البارحة كتب لي 'خفف احباط'. 'مش احباط. واقعية. مشكلتكم كثرة اليوتوبيا وقلة الفعل على الارض. لازم نكون واقعيين'. هذا كان جوابي.
 
الظلمة ما زالت كالحة. وأنا ما زالت في فراشي. تشدّني العتمة إلى الإبحار في هذا الفضاء الواسع من الأفكار. دفعتني اعادة قراءة نقاشي مع أبو جهاد الى تذكّر نقاشي مع رانيا زوجتي الأسبوع الماضي. هي ايضاً تتهمني بالإحباط والسوداوية. وعندما اشرح لها وجهة نظري وسبب إحباطي، يتسرّب لها هذا الشعور فتنهي الحديث 'طيب شو بدنا نعمل. ما فينا ننحبط'. نوع من رفض الواقع ونوع من أنواع المواجهة. أفهمها. يجوز أنها تريد ان تعزّي نفسها. هي التي استهلكت كل طاقتها وقوتها حتى وصلت الى ما وصلت إليه. ١٣ عاماً حتى أنهت تحصيلها الجامعي. غيّرت اختصاصها، وعملت بالتوازي (عملت مرةً بائعة في محل ملبوسات بالرغم من انها كانت تحمل شهادة في الهندسة في حينها) مع دراستها حتى إنتهت الى أعلى درجة يمكن ان تصلها ضمن اختصاصها. انقطعت عن الدراسة فترات. تعبت. ملّت. أحبطت. مرضت. لكنها حققت رغبتها وتفرّغت استاذة جامعية. يمكن أن هذا المسار المضني يدفعها الى محاولة رفض الإحباط لأن لا حلول امامها في الأفق، وتريد ان تحافظ على كيانها ولو أن راتب الدكتور الجامعي أصبح أقل من ٢٠٠ دولار شهرياً.
 
لكلٍ أسلوبه وطريقته. لكني اظن اننا نعاني جميعاً، جميل وأبو جهاد ورانيا وانا وغيرنا الكثيرون، من الشعور ذاته. متلازمة الإحباط الكلي المحلي. حكماً بدرجات مختلفة فلكلٍ رؤيته ونظرته. وبطرق تعبير مختلفة فلكلٍ أسلوبه.
 
أما من جهتي، أكون كاذباً اذا أنكرت أن واحداً من أسباب إحباطي هو الأزمة المدمّرة التي نعيشها حالياً في لبنان. مثلي مثل كثيرين، دمّرت هذه الازمة كل أحلامنا بعيش هادئ واكتفاء بالحد الأدنى ولا مانع ايضاً 'بشوية بسط'. كل ذلك ذهب أدراج الرياح. لكني أشهد صادقاً أنه منذ بداية الأزمة في ٢٠١٩، الى شهور قليلة مضت، كنت في قمة اندفاعي وعطائي. ولم يتسرّب الاحباط الى نفسي ولو لدقائق. حزيناً؟ نعم كنت في قمة حزني على ما أشاهده من آلام. لكني لم أكن للحظات محبط.. لماذا؟ لاني إعتبرت أن ما حصل يمكن ان يشكّل فرصة لتغيير نمط حياتنا واقتصادنا واجتماعياتنا وحتى سلوكياتنا الأخلاقية، فننطلق الى نموذج طالما تمنيّت أن أعيش في ظلاله. لقد حاولت، قدر معرفتي ووعي ورؤيتي، أن أكون أميناً بالحدّ الأدنى (لا أحد كامل حكماً وفي نفسي عيوبُ) على مجموعة من المبادىء والقناعات. لم أكتفي فقط بالايمان بها. فلا ايمان دون عمل. أتبعتها بخطوات عملية، اذا ما قستها على نفسي وقدرتي، لا طاقة لي أحياناً على تحمّلها. خسرت جنسيةً كان بامكاني الحصول عليها بسهولة لو تابعت اقامتي في بلد الدراسة.

كان ذلك خياراً لعدم فتح مجال الهروب عند أول نكسة. خسرت تعييني مديراً عاماً في احدى الوزارات بسبب رفضي تأمين الغطاء الطائفي اللازم (ما زلت أحتفظ بنسخة عن محضر جلسة مجلس الوزراء في حينه والذي أتاني به وزير صديق قبل صدور التعيين النهائي علّي أرضخ لأمنيته وأؤمن الغطاء اللازم). خسرت مجموعة من العلاقات الشخصية والعائلية بسبب خياري الارتباط من خارج الطائفة والملّة. خسرت مجموعة من العلاقات السياسية وتأييد أقرب المقربين بسبب مواقف تنبع من مبادئي السياسية أعبّر عنها تارةً بمقال، وتارةً بموقف وتارةً بهجوم على تصاريح صادرة. عشت كما أنا. لي أصدقاء كثر. كما لي أعداء كثر. ولم أندم للحظة على كل ما اقترفته يداي. لأني كنت متصالحاً مع نفسي. ما فعلته لم يكن استعراضاً أبداً. لأنه في ميزان الأرباح والخسائر كله خسائر. ما فعتله كان عن قناعة أني مسؤول عن البدء بنفسي اذا ما أردت أن اعيش في بلد أحلم به لي ولولدي ولأحفادي من بعدي. هل كنت مجنوناً أو لنقل غير واقعي؟ أبداً.

كان رهاني أن أقليّة تتكوّن من 10 الى 15% لديها الوعي الكافي والمبادىء بحدّها الأدنى والنية للتغيير، قادرة أن تلتقط اللحظة لتقدم نموذجاً آخراً مختلفاً عن كل الذي نعيشه منذ عقود. وأتت الأزمة. وارتفع الأدرينالين (هرمون يفرزه الانسان لايقاظ وتيقظ الجسم في حالات الطوارىء والأزمات) في عروقي. بقدر ما كنت حزيناً وتسيل دموعي أمام كل مشهد من مشاهد آلام مجتمعنا، بقدر ما كنت فرحاً ومندفعاً لأن ساعة الحقيقة أتت. فالانهيار المالي والاقتصادي يجب أن يكون له انعكاساته على كل المجتمع، لكن خصوصاً على هذه القلَة (10 - 15%) التي ستلتقط الفرصة وتدفع باتجاه تغيير حقيقي. ماذا حصل؟

تبيّن لي أني بالغتُ في تقديري هذه الأقلية وحجمها أولاً. فعندما تفاقمت الأزمة، انكشف المستور، وتبيّن أن هناك الكثير من الودائع في هذه الأقلية.

ثم بالغتُ في درجة وعيها ثانياً. فالعديد ممن كان يرفع لواء الانتاج، فضّل الكاش على وسائل الانتاج حين حاولنا تنفيذ بعض المشاريع الاقتصادية الصغيرة.

ثم بالغتُ في استعدادها للعمل ثالثاً. فمن كان يبرر تقاعسه بعدم العمل الجدي لأنه لا خبرة لديه و'قولولنا شو لازم نعمل.... دلّونا'، سقط عند أول امتحان لايجاد التمويل. وغيره سقط عند طلب المساعدة على تنفيذ مشاريع. ناهيك عن أولائك المتموليّن 'الثورجيين' الذين أنهكونا بكتابة المشاريع ثم 'بساعة سمّاعة' اختفوا وانطلقوا للعيش في عواصم العالم.
ثم بالغتُ حتى في صفاء نيات بعض أعضاء هذه الأقلية رابعاً. فهنا مجموعة اختصاصيين تتهرّب من التطوّع بوقتها لالقاء محاضرة توعوية لا تكلفها سوى عرض أفكار تجترّها في كل جلسة اجتماعية (محاضرة بس تخيّلوا). وهناك مجموعة تدعو لاجتماعات مفتوحة متتالية علّها تجمع الأفكار فتصوغها وتقدمها على أنها برنامجها، ثم ما تلبث أن تصرف النظر عن أي مشروع فعلي، فالحكي والتنظير أسهل.
 
هنا أقف. أمام أقلية عاجزة عن تقديم مشروع اجتماعي-اقتصادي حقيقي وعملي لا تنظيري. أمام أقلية عاجزة حتى عن نسج شبكة أمان اجتماعي أقلّه لأعضائها. فهل لي أن أُحبط أم لا؟
 
'طلع الضو. خلص. قوم بقى يا صبي'. نهضت مسرعاً من فراشي لتحضير كوب الشاي ولأجلس على شرفة غرفة نومي. رنّ الهاتف. انه جميل أبو نضال. 'ما كان الي عين اتصل فيك والضو ما طلع بعد، بالرغم من اني بعرف انك فايق'. هكذا افتتح اتصاله. استكمل كل المسبات التي أرسلها لي بالواتس آب. قال كلاماً كبيراً. منه سخطه ومعارضته عندما كان لا يزال ناشطاً في مؤسسته السياسية، لارسال بعض الشبان أحياناً للقيام بعمليات ساقطة عسكرياً. لماذا اذاً هكذا عمليات؟ 'لأن حقها مدفوع. اما مصاري. إما بالسياسة'. كلام كبير جداً. حتى حياتنا، نحن هذه الأقلية، لا قيمة لها أحياناً.
بعد كل هذا فهل لي أن لا أكون محبطاً؟ اليكم الحكم، علماً أن الاحباط لا يعني ابداً تغيير المبادىء. ولا حكماً الإقرار بالهزيمة.