سألني صديقي لماذا أبكي... د. فايز عراجي

الثلاثاء , 16 آذار 2021
+ -

كتب الدكتور فايز عراجي حول الأزمة الحالية:

سألني صديقي هذا الصباح لماذا أبكي

الا يكفي أن يكون كيلو الموز البارحة ب ٦ آلاف ليرة لبنانية وأن تشتري كرتونة بطاطا ما قبل البارحة ب ٧٠ ألف ليرة.

الا يكفي أن ترى عجوزاً أمامك البارحة يحاول عبثاً دخول المستشفى لكنه غير قادر بسبب عدم وجود تغطية صحية له، فيضمه ابنه الى صدره علّ هذا الدفء يخفف من ألمه.

الا يكفي أن تعرف أن من استقبلك باسماً في غرفة الاشعة ليخفف عنك أوجاعك يدفع ٧٥٠ الف ليرة نقليات فان من أصل راتب مليون وثلاثماية لكنه راض بقسمته لان البديل اشتهاء رغيف الخبز.

الا يكفي أن ترى طبيباً سُحق عمره، يركض بين مبنى مرضى الكورونا وقسم العيادات الخارجية، يركض بنفسه ليأتي بالسماعة، يكشف على جماهير الناس في أروقة الصالة، يتابع في نفس الوقت اتصالاته مع المرضى، يعطيك الوصفة ولا يخطر بباله حتى أن يطلب منك بدل أتعاب الا اذا أنت أصريت على ذلك لأن الموت علمه أقسى الدروس.

الا يكفي أن ترى طفلاً يمر مع والدته أمام رف السكاكر ينظر بعيونه فقط، حتى أنه لا يجرؤ على لمسها، ثم يمسك يد أمّه ويأفل مطأطأ الرأس جاراً ذيول الخيبة.

الا يكفي أن تدخل الصيدلية لترى أن أباً عطوفاً حنوناً يضم الى صدره ابنته المريضة ثم يرتدّ الى خلف راغباً بالخروج عندما يسمع أن سعر الابرة ثلاثون الفاً، لكن صديقه الفقيرالذي يرافقه يخرج من جيبه عشرة آلاف لدعمه والصيدلي يحسم له عشرة، فلا يبقى عليه الا أن يدفع عشرة.

الا يكفي كل هذا يا صديقي.

الا يكفي ان تعرف أيضاً أنني أمام كل ما أخبرتك، أقف عاجزاً، قاصراً، مسدل اليدين.

وتسألني لماذا تسيل دموعي. أقول لك سأبكي يا ربيع.

سأبكي. علّ دموعي تساعد فقيراً على سد بعض جوعه.
سأبكي. علّ دموعي تساعد هذا العجوز على تخفيف بعض ألمه.
سأبكي. علّ دموعي تشفي هذا الطفلة وتسعد ذاك.
سأبكي. علّ دموعي تعطي بعض القوة لذاك الطبيب.
سأبكي. علّ دموعي تزيد البسمة على ثغر من صورنا في غرفة الاشعة.
سأبكي يا ربيع. وأكثر. لأني عالمٌ أن كل دموعي لن تلبي تمنياتي لهؤلاء. ولن تخفف عنهم.